أحمد الشريف

«والدي قال لي: إنه لا يُشترط أن أكون يهوديًّا لأصبح صهيونيًا.. فأنا بذلك صـهيوني»!.

“جو بايدن” .. مارس ٢٠١٦م..

                          –––––––––––––––––

يعوّل البعض على حدوث تغيرات جذرية في السياسة الأمريكية تجاه الأنظمة العربية بعد هزيمة الرئيس الجمهوري دونالد ترامب، ومجيء الديمقراطي جو بايدن، وخاصة فيما يتعلق بدولتي مصر والسعودية وفتح ملفات حقوق الإنسان وحرية التعبير فيهما فضلًا عن جرائم الاعتقالات والاغتيالات (خاشقجي وريجيني)!..

 

ولكن بنظرة تاريخية عن خلفية الرئيس القادم للبيت الأبيض بصفة خاصة والإدارات السابقة على وجه العموم، نجد أن هذا التعويل بعيد بصورة كبيرة!.

 

ليس فقط لصهيونية الرجل الذي اعترف بها صراحة -في سابقة لمن تقلد منصب رئاسة الولايات المتحدة- ولكن في المقام الأول للسياسة البرجماتية (النفعية الغير أخلاقية) التي تنتهجها الولايات المتحدة الأمريكية منذ نشأتها وإلى الآن!..

 

تلك البرجماتية التي جعلت كاتبا مرموقا في الصحافة الأمريكية مثل توماس فريدمان يبيع ضميره وقلمه لولي العهد السعودي في فضيحة صحفية فجة شهدتها النيويورك تايمز، عندما كتب فريدمان في أول نوفمبر ٢٠١٧م، محذرا من سلوك ولى العهد الشاب المتهور. منتقدا سلوك الأمير الصغير ومؤكدا أنه كي تقوم بعملية مكافحة الفساد لابد أن تكون أنت نظيفا، وأشار لشراء بن سلمان يختًا سعره أكثر من ٥٥٠ مليون دولار!.

 

كذلك انتقد سياسات ولي العهد تجاه اليمن والتي سببت مآسي إنسانية لا تُحصى خاصة مع وقوع آلاف الضحايا من الأطفال نتيجة الحصار السعودي، وانتقد كذلك سياساته تجاه لبنان ورئيس وزرائها سعد الحريري، وانتقد تهوره ومعاداته غير الرشيدة لإيران!.

 

وأشار كذلك فريدمان إلى أن بن سلمان يغير منظومة الحكم السعودي المستقر القائم على حكم ائتلافي واسع من العائلة المالكة، والتي تتخذ قراراتها الهامة بالتوافق، ويريدها دولة الرجل الواحد، وكان ذلك ظاهرا من الاعتقالات التي شنها على خصومة السياسيين وكبار رجال المال السعوديين.

 

لم ينتظر فريدمان طويلا حتى اصطحبه السفير السعودى الجديد لدى واشنطن خالد بن سلمان للقاء خاص مع شقيقه ولى العهد محمد، فقضى فريدمان عدة أيام بالرياض منها ساعات طويلة مع محمد بن سلمان داخل قصر العوجا، وتناولا خروفا مشويا مع أشخاص من الدائرة المقربة من ولى العهد!.

وعاد فريدمان ليكتب مقالا طويلا فى نيويورك تايمز تبلغ مساحته ضعف مقالات الرأي التقليدية، ولم يخجل الكاتب الأمريكي من القول إنه:

«لم يخطر في بالي قط أنني قد أعيش لأصل إلى لحظة أكتب فيها الجملة الآتية:

العملية الإصلاحية الأهم الجارية حاليا في الشرق الأوسط هي تلك التي تشهدها المملكة العربية السعودية.

نعم، لم تخطئوا في القراءة، مع أنني وصلت إلى هنا في مطلع فصل الشتاء في المملكة، وجدت أن البلاد تشهد ربيعا عربيا، على الطريقة السعودية»!.[١]..

 

وتلك البرجماتية كما سنرى هي التي جعلت جو بايدن ينحاز إلى إسرائيل ويصف نفسه بالصهيونية رغم انتمائه المسيحي!.

 

فالصهيونية: مصطلح ظهر في عام ١٨٩٠م، أعطى للحركة التي تهدف إلى عودة الشعب اليهودي إلى أرض الميعاد بفلسطين، حيث جبل “صهيون” أحد الجبال المحيطة بالقدس!.

 

والتي ارتبطت بعد ذلك بالحركة السياسية التي أسسها اليهودي تيودور هرتزل منذ العام ١٨٩٦م…[٢]..

 

بذلك يتبيّن أن الصهيونية حركة أوسع من الانتماء للدين اليهودي!.

 

وهو ما ظهر جليًّا في تصريح «بن جوريون» أول رؤساء الدولة اليهـودية، وقبل عشر سنوات من تأسيسها، تحديدًا في ٧ ديسمبر عام ١٩٣٨م، حينما قال أمام زعماء الصـهاينة:

«إذا كنت أعلم أنه من الممكن إنقاذ كل أطفال اليـهود في ألمانيا بترحيلهم إلى إنجلترا، أو إنقاذ نصفهم فقط بترحيلهم إلى أرض إسرائيل، لكنت اخترت الحل الثاني!.

لأن علينا أن نأخذ في الاعتبار، ليس فقط أرواح هؤلاء الأطفال، ولكن أيضًا تاريخ ومصلحة شعب إسرائيل»!..[٣]..

 

وعلى الرغم من هذا التغلل اليهودي الصهيوني في دائرة صنع القرار الأمريكي لدرجة احتلال البروفيسور اليهودي البريطاني «برناد لويس» مكانة بارزة ومؤثرة في توجيه السياسة الأمريكية، وهو ما شهد به بول وولفوڤتز –نائب وزير الدفاع الأمريكي الأسبق– في الكلمة التي وجهها للمحتفلين بالعيد الـ ٨٦ لميلاد برنارد لويس بمدينة تل أبيب عام ٢٠٠٢م، حين قال:

 

استطاع برنارد لويس أن يضع باقتدار علاقات وقضايا الشرق الأوسط، وقد اهتدينا بفكره لتحديد وجهتنا التالية لبناء عالم أفضل للأجيال القادمة!.

كما اهتدت بعلمه الإدارة الأمريكية في صياغة سياستها في «الحرب ضد الإرهاب» باعتباره المنظِّر الأساسي لكل ما يتصل بالعالم العربي والإسلام!. [٤]..

 

فإنه تظل السياسة البرجماتية ومصلحة الدولة الأمريكية هي الأساس في المقام الأول، بل يتم تقديمها على الصهيونية في حالة التعارض بينهما كما حدث أيام حكم الرئيس دوايت أيزنهاور الذي أقدم على فرض عقوبات اقتصادية وعسكرية لإجبار إسرائيل على الانسحاب من شبه جزيرة سيناء في حرب السويس ١٩٥٦م، حيث اختارت القوى الجديدة (أمريكا والاتحاد السوفييتي) إنهاء الإمبراطوريات القديمة (فرنسا وبريطانيا) وبداية عصر عالمي جديد!.[٥]..

 

وقد تصدى أيزنهاور وقتئذ لضغوطات كبيرة مورست عليه من قبل اللوبي الصهيوني في الداخل الأمريكي بقصد دفعه للتراجع عن قراراته، فقال بوضوح:

 

«علينا أن ندير شؤوننا كما لو لم يكن يهودي واحد في أمريكا.. إن رفاه بلادنا ومصالحها المثلى ستكونان هما المعيار الوحيد الذي نعمل بموجبه»!..[٦]..

 

وبذلك نصل إلى أن تصريح بايدن السابق بصهيونيته هو نتاج رؤيته البرجماتية للمصالح الأمريكية، وهو ما يجب النظر إليه في إطار حديثه المسجل في أبريل ٢٠٠٧م:

 

«الذي ينبغي على الناس تفهمه الآن وما هو واضح وضوح الشمس، أن إسرائيل تعد القوة الأكبر للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وكنت أقول لأصدقائي: تخيلو ظروفنا في العالم بدون وجود إسرائيل، كم عدد السفن الحربية التي ستكون هناك، كم عدد الجنود الذين سيتمركزون في الشرق الأوسط!.»..

 

وهو أيضا ما عمل عليه الإسرائيليون منذ قيام دولتهم، حيث سعوا لكي يعترف بهم العرب دون أي إلتزام ولو أدبيًّا من جانبهم بالحديث عن أي حقوق للشعب الفلسطيني!.

 

وذلك لإزالة المخاوف الأمريكية التي عبر عنها أحد مسئولي مجلس الأمن القومي في الولايات المتحدة في سبعينيات القرن الماضي، بقوله: «إن إسرائيل المحاطة بأعداء من كل النواحي، لا يمكن لها أن تكون قاعدة إستراتيجية، بل يمكن أن تكون في أفضل الأحوال، حاملة طائرات»!.

 

وقد كتب عن ذلك صراحة الصحفي الإسرائيلي يوئيل ماركوس بتاريخ ٢٣ / ٢ / ١٩٧٩م –بعد شهر واحد من سقوط شاه إيران رجل أمريكا الأول في المنطقة– ونشره في “جريدة هآرتس” : «إن حلم إسرائيل منذ قيامها أن تصبح في نظر الولايات المتحدة قاعدة استراتيجية لها في المنطقة!.»!. [٧]..

 

وقد كان للرئيس الأمريكي جو بايدن سابقة في المحافظة على قواعده في الشرق الأوسط، عندما انتقد إدارة أوباما في التخلي عن الرئيس المصري حسني مبارك، الذي كان كنزا استراتيجيًّا لدولة إسرائيل، رافضا وصفه بالدكتاتورية أثناء ثورات الربيع العربي، حيث قال: «مبارك كان حليفًا لنا فى العديد من القضايا، وكان حليفا مسئولا.. ولن أصف مبارك بأنه ديكتاتور»!..

 

بناءً عليه لن تجد الأنظمة العربية صعوبة في خدمة النظام الأمريكي القادم، خاصة في وجود الرئيس المصري الذي اعتبره الباحث اليهودي إيدي كوهين أكثر منه صهيونية!.

 

حيث كان تصويت مصر لصالح انضمام إسرائيل إلى عضوية لجنة الاستخدامات السلمية للفضاء الخارجي التابعة للأمم المتحدة سابقة هي الأولى من نوعها منذ تأسيس إسرائيل عام ١٩٤٨م، وتكفى نظرة سريعة على الإعلام الإسرائيلي وقتها لندرك كيف احتفت إسرائيل بالسابقة الدبلوماسية المصرية التي وُصِفت بالتاريخية!.

 

وهو ما يُعد من وجهة نظر المخطط الإسرائيلي لحظة تاريخية وعدول استثنائي عن الموقف العربي التقليدي الذي ظل يلتزم بمقاطعة إسرائيل في المحافل الدولية!..

 

وهى المقاطعة التي لم تعد موجودة لا على مستوى الحكومات أو حتى على مستوى الشعوب!.

 

هوامش المقال:

[١] “غرام أولياء العهد السعودي بتوماس فريدمان”، الكاتب الصحفي محمد المنشاوي الذي يكتب مقالاته من واشنطن، جريدة الشروق في ٣٠ نوفمبر ٢٠١٧م..

 

[٢] محاكمة الصهيونية الإسرائيلية، روجيه جارودي، ص٣٥، دار الشروق، ط. سنة ١٩٩٩م، نقلا عن موسوعة الصهيونية وإسرائيل التي صدرت في نيويورك سنة ١٩٧١م..

 

[٣] السياسة الصهيونية ومصير اليهودية الأوروبية،إيفون جيلبنر، ج١٢ ص١٩٩..وأيضا محاكمة الصـهيونية الإسرائيلية، روجيه جارودي، ص٨٢..

 

[٤] رءوف عباس في دراسته وتقديمه كتاب “الإسلام وأزمة العصر” لبرنارد لويس، ص١٢، ط. هيئة الكتاب، ٢٠٠٤م..

 

[٥] للتفاصيل مراجعة مقال حكاية المضيق الرابط بالتعليق الأول.

 

[٦]مجلة المفكر العدد التاسع، دراسة بعنوان البعد الاستراتيجي للعلاقات الأمريكية الإسرائيلية، ص٣٣٧، نقلا عن كتاب النظام الإقليمي العربي والقوى الكبرى، جرجس فواز، ص١٠٥، مركز دراسات العربية، ط. الأولى بيروت، ١٩٧٩م..

 

[٧] طريق بيجن إلى القاهرة، إلياس شوفاني،ص١٠٢، ص١٠٥، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت ١٩٧٩م..