د. وليد عبد الحي

مقدمة:

يُعرِّف علماء الاجتماع الانحراف الاجتماعي بأنه الخروج الصارخ والمتكرر على مسلمات المنظومة القيمية في مجتمع معين لفظاً أو فعلاً، ويتم قياس الانحراف من خلال ثلاثة مؤشرات هي: درجة التكرار، وَحِدَّة الانحراف، وتنوع أشكاله.

وتتمثل أحد أبرز مشكلات المجتمعات الاستيطانية (مثل «إسرائيل»، والولايات المتحدة، وجنوب إفريقيا في فترة التمييز العنصري…إلخ) في أن تنوع البيئات الاجتماعية التي جاء منها المستوطنون يجعل المنظومة القيمية للمجتمع متضاربة، من حيث ترتيب وتركيب السلم القيمي بشكل عام، وتحديد القيمة العليا في هذه المنظومة بشكل خاص. فالمجتمع الإسرائيلي مثلاً تعود فيه أصول الشرائح «الأكبر» من المجتمع إلى خلفيات متنوعة تنتمي طبقاً للإحصاءات الرسمية الإسرائيلية إلى نحو 46 دولة موزعة في القارات الخمس.

 

وطبقاً لعدد من الدراسات المتخصصة يتبين أن المجتمعات الاستيطانية الإحلالية، التي قامت بتصفية أو تهجير أو تدمير أو تمزيق المجتمع الأصلي، تجعل من القوة القيمةَ العليا الجامعة، التي يشترك فيها أغلب أفراد المجتمعات الاستيطانية؛ على الرغم من التباين الحاد في خلفياتهم الاجتماعية والثقافية. إذ إن نشوء المجتمعات الاستيطانية تمّ بالقوة، ثم إن النجاح في ممارسة هذه القوة سواء ضدّ السكان المحليين أم ضدّ الطبيعة يعزز من مركزية فكرة القوة والعنف.

فليست مصادفة أن الولايات المتحدة هي صاحبة أعلى معدل تدخل عسكري خارجي في العالم، أو أن أعنف أشكال التمييز العنصري سُجل في جنوب إفريقيا، أو أن “إسرائيل” هي أكثر دولة مخالفة لقرارات الأمم المتحدة، إذ إن مخالفاتها لقرارات مجلس حقوق الإنسان الأممي الذي تمّ إنشاؤه سنة 2006 يفوق مجموع مخالفات دول العالم قاطبة.

 

ذلك يعني أن مصدر الانحراف الاجتماعي والسياسي في المجتمع الإسرائيلي ليس منفصلاً عن عوامل ثلاثة تمجد القوة والعنف، وتُشكل الخلفية الثقافية لكل شريحة من شرائح المجتمع الإسرائيلي:

 

1- طريقةَ تشَكُل المجتمع الاستيطاني بالقوة، فالإسرائيلي تمرد على مجتمعه الأصلي الذي هاجر منه، واستخدم القوة للسيطرة على جغرافيا جديدة، ويمارس بقاءه من خلال دورات العنف مع السكان الأصليين وجيرانهم، وقد أشرنا في دراسة سابقة إلى استطلاع للرأي العام الإسرائيلي يكشف عن أن 64% منهم يعتقدون أن «إسرائيل» لا تستطيع العيش إلا «بالسيف»، وهو ما يتعزز بمؤشر العسكرة، الذي تحتل فيه «إسرائيل» المركز الأول عالمياً. وتعززت قيمة القوة لدى الفرد الصهيوني بنجاحه في بلوغ أغلب غاياته، وهو ما جعله يعتقد أن القوة بمضمونها العنيف هي الحل لكل المعضلات الاجتماعية والسياسية.

 

2- منظومة قيم دينية تقوم على فكرة محددة هي التفوق، استناداً لمنظومة معرفية ميتافيزيقية تجعله «الشعب المختار»، وتعطيه طبقاً لنصوصه الدينية الحق في السيطرة على الآخرين، وهو ما يعزز فكرة القوة لديه، لأنه يراها مبررة أخلاقياً لأنها مسنودة بنص ديني، فمركزية يشوع (أو يوشع في الكتابات العربية) بن نون في الفكر الصهيوني اليهودي جاءت من أنه الأكثر تمجيداً وممارسة للقوة ضدّ الأغيار، وفي نصوص التوراة قسوة وتمجيد للقوة لا نظير له.

 

3- إرث غربي مبني في بعض أبعاده على مزاوجة بين قيم الصراع والقوة (من التراث اليوناني إلى هيجل، وماركس، وداروين، وفرويد، ونيتشة، ونيبور، ومورغانثو،…إلخ)، وبين قيم البراجماتية والنفعية (ديفيد هيوم، وجون ديوي،…إلخ)، وهو البعد الذي يتواءم مع منظومة قيم المجتمعات الاستيطانية الإحلالية.

ومعلوم أن أغلب القيادات الصهيونية نشأت في هذه البيئة الثقافية الغربية التي تمجد القوة من ناحية، وتعد الفكرة صحيحة بمقدار النفع المترتب عليها من ناحية ثانية، وهو جوهر البراجماتية.

 

أولاً: مظاهر الانحراف الاجتماعي في المجتمع الاستعماري الاستيطاني الإسرائيلي:

 

نظراً لتباين الخلفيات المجتمعية والمنظومة القيمية للمجتمع الاستيطاني، بحكم تعدد أصولهم المجتمعية، فإن بعض مظاهر الانحراف تظهر في شرائح مجتمعية أكثر من غيرها بينما تتقاطع مظاهر انحراف أخرى على الرغم من تباين الخلفيات المجتمعية،

وهو ما يتضح على سبيل المثال في أن تدفق المهاجرين اليهود من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، وبشكل رفع عدد سكان «إسرائيل» خلال الفترة 1990-1993 بنسبة 20%، أدى إلى توترات عالية وانحرافات في العلاقة بين اليهود السوفييت واليهود الإثيوبيين، نظراً للتباين الحاد في الخلفيات الاجتماعية.

فمثلاً، تشير الدراسات الاجتماعية إلى أن اليهود المهاجرين من الاتحاد السوفييتي السابق هم الأعلى بين شرائح المجتمع الإسرائيلي قياساً لنسبتهم السكانية في ثلاثة أبعاد هي:

 

1- هم الأعلى في نسبة التسرب المدرسي، والأعلى عجزاً في التكيف مع النظام المدرسي الإسرائيلي.

 

2- هم الأعلى في نسبة الإدمان على الكحول، قياساً لنظرائهم في العمر من الشرائح الأخرى.

 

3- هم الأعلى في نسبة الجريمة التي يقترفونها، وبنسبة تفوق معدل نسبتهم في إجمالي السكان، كما سيتضح معنا في هذه الدراسة.

 

ويرى الباحثون الإسرائيليون أن المجتمع الإسرائيلي لا يتبنى نمط «الاندماج» للمهاجر الجديد بل يتبنى نمط «الاستيعاب»،

إذ تقوم الفلسفة السياسية الصهيونية في التعامل مع المهاجرين على أساس «استيعاب» هؤلاء المهاجرين لمقومات الهوية الإسرائيلية،

وهي الدين اليهودي، واللغة العبرية، وتأدية الخدمة العسكرية (وأي خروج على هذه الأبعاد الثلاثة يعد نوعاً من الانحراف)،

وتنفرد «إسرائيل» عن بقية مجتمعات العالم في أنها تفرض على اليهود «استيعاب» هذه المقومات، وعليه تمّ إطلاق اسم وزارة «استيعاب» المهاجرين وليس العمل على «اندماج أو تكامل» المهاجر مع مجتمعه الجديد دون شرط الذوبان في هوية قومية جديدة، كما هو الحال في المجتمعات العادية التي يفد إليها المهاجرون،

كما أن دراسات الاندماج والتكيف من جانب المهاجر مع مجتمعه الجديد تستغرق في المعدل العام جيلاً أو أكثر قليلاً، وقد تكون في جوانب السلوك الجنسي أكثر تعقيداً وزمناً، وهو ما يضع أساساً للتوتر في المراحل الأولى بين المجتمع وبين المهاجر، وتتضح ملامح هذه المسألة، حسب هذه الدراسات، في العلاقة بين المجتمع اليهودي وبين المجتمع الروسي المهاجر، وتتضح ملامح جوانب الصعوبة لليهودي الروسي للتكيف في المؤشرات التالية التي أشار لها باحث إسرائيلي من جامعة تل أبيب:

 

1- إن نسبة العلمانية بين المهاجرين الروس أعلى منها بين اليهود الآخرين.

 

2- التمييز بين اليهود الروس الذين جاؤوا بدافع «الفكر الصهيوني» في الموجات الأولى في منتصف القرن العشرين، وبين الذين جاؤوا بفعل العوامل الطاردة في المجتمع ما بعد السوفييتي. ولما كانوا يشكلون 20% من المجتمع الإسرائيلي؛ فقد تمكنوا من إيجاد أحزاب وتجارة وقطاعات عمل وانشغالات ثقافية أقل تديناً، مما جعلهم ثقافة فرعية تأبى “الاستيعاب”. وما زال هؤلاء يحافظون على روابطهم مع المجتمع الروسي الذي جاؤوا منه، وما زالوا يتابعون الفضائيات الروسية باللغة الروسية ويقيمون شراكات تجارية معهم. بل احتفظوا بعلاقات مع “سوفييت” ممن هاجروا لدول أخرى غير «إسرائيل»، وهو ما جعلهم أقرب للمواطن «العالمي» cosmopolitan, or transnational, community.

 

3- يعانون من توتر لغوي، إذ إن أغلب كبار السن منهم لا يميلون لتحسين لغتهم العبرية ويحافظون على استعمال الروسية، وهو ما يجعلهم أقل إقبالاً على الكتابات العبرية.

 

4- ارتفاع حالات الطلاق بين اليهود الروس، وارتفاع معدل الأسرة ذات المعيل الواحد، كما أن نسبة العاملات في تجارة الجنس بينهم أعلى من نسبتها في الشرائح اليهودية الأخرى، خصوصاً تعاونهم مع منظمات الجريمة المنظمة.

 

ذلك يعني أن فصل الجريمة الاجتماعية (القائمة على خرق منظومة القيم الاجتماعية السائدة) عن البيئة السياسية (القائمة على نمط السلوك السياسي بين السلطة والجماعات المتنوعة وبين الجماعات ذاتها)، لا يساعد على بناء تحليل علمي، وهو ما يعني ضرورة النظر للانحراف الاجتماعي في المجتمع الاستيطاني تحديداً على أنه انحراف ذو سمة خاصة، فاليهودي الذي عاش تحت وطأة الإحساس بأنه «أقلية» في المجتمعات التي جاء منها، لن يتصرف بطريقة متسقة عندما يجد أنه تحول إلى أغلبية في «إسرائيل». وعليه، فإن نزعة الهوية الضيقة تدفعه للبحث عن ما يميزه عن بقية المجتمع اليهودي في «إسرائيل»، نظراً لأن تحول وضعه سيدفع باتجاه خيارين كلاهما ينطوي على نزعة العنف:

 

1- الإحساس بالتفوق على الأقليات الأخرى في «إسرائيل» من زاوية الانتقال من وضع الخاضع أو الأدنى، إلى وضع الأعلى أو المسيطر، وهو ما نلاحظه في سلوك اليهود الإثيوبيين.

 

2- البحث عن ما يميزه داخل المجتمع اليهودي عن غيره ليعززه، لضمان استقلاليته التي اعتاد عليها عندما كان «ينتمي للأقلية»، وهو ما نلاحظه في سلوك اليهود الروس.

 

ثانياً: أنماط الانحراف السائدة في المجتمع الاستيطاني الإسرائيلي:

 

1- جرائم القتل والسرقة والاعتداء على الممتلكات وغيرها:

 

ارتفع معدل جرائم القتل في «إسرائيل» خلال الفترة 2015-2018 من 1.4 لكل مئة ألف إلى 1.5، وتحتل «إسرائيل» المرتبة 149 من بين 230 كيان سياسي في العالم في مستوى هذه الجرائم، مما يجعلها في موقع متوسط تقريباً، لكن التدقيق في البيانات الخاصة بعدد من تمّ إدخالهم إلى المستشفيات للعلاج من إصابات ناتجة عن جرائم عنف يتبين أن توزيع الضحايا لا يتناسب عرقياً مع نسبة العرق في إجمالي السكان إلى معدل الضحايا، وهو ما يبينه الجدول التالي المعتمد على الإحصاءات الرسمية الإسرائيلية من 2008 إلى 2017.

 

جدول رقم 1: توزيع ضحايا الجرائم (موت أو إصابات) طبقاً للنسبة السكانية

الخلفية العرقية نسبتهم من المجتمع الكلي (%) نسبة الضحايا منهم (%)  نسبة ضحاياهم إلى نسبتهم في المجتمع (%)
الفلسطينيون (1948)*  20.6  46.1  223.8
اليهود السود 1 3.2  320
يهود الاتحاد السوفييتي السابق 7.9  12.7    160.8
بقية اليهود  70.5 38  53.9

* الإحصاءات الإسرائيلية تضيف سكان شرقي القدس ضمن فلسطينيي 1948، أما نسبتهم من دون احتساب القدس فهي 16.8% سنة 2019.

 

يشير الجدول السابق إلى أن عدم التناسب بين نسبة المجموعة العرقية (أو الاجتماعية) في إجمالي عدد السكان، وبين نسبة استهدافهم بالجرائم، له خلفيات سياسية ذات مضمون عنصري (بسبب اللون أو العرق او كليهما معاً)، ومن المرجح أن تتسلل تداعيات هذه التوجهات إلى البنيات السياسية في الأحزاب والنقابات، وإلى تشكيل صور ذهنية سلبية من كل طرف للطرف الآخر؛ خصوصاً وأن نسبة السجناء لكل مئة ألف ارتفعت في «إسرائيل» خلال الفترة 2000-2018 من 158 إلى 234، أي بنسبة ارتفاع تصل إلى نحو 48%، دون أن تختلف نسبة توزعهم العرقي أو الخلفية المجتمعية عن مدلولات الجدول السابق، وهو ما يعزز الاحتمال الذي أشرنا إليه، وإلا فكيف نفسر عدم تناسب عدد الضحايا من أعراق معينة مع نسبتهم في المجموع الكلي من السكان، وهو ما يتضح في ارتفاع نسبة الضحايا من الفلسطينيين، يليهم السود اليهود، ثم اليهود الروس، بينما نسبة اليهود الآخرين (خصوصاً الغربيين) تقل نسبة ضحاياهم من الجريمة عن نسبتهم في إجمالي عدد السكان.

 

من جانب آخر، فإن القلق الذي ينتاب المجتمع بسبب تكرار الجرائم يوجِد بيئة مواتية لنشوء مجتمع عصابي يتسم في أحد أبعاده بالميل أكثر إلى تفسير المواقف البسيطة على أنها تهديدات، والإحباطات الطفيفة على أنها إحباطات عميقة ومعقدة.

وتكشف استطلاعات الرأي العام الإسرائيلي للفترة من 2017-2020 عن هذه الجوانب، من خلال ما تشير له النتائج التالية:

 

جدول رقم 2: مؤشرات القلق الناجم عن الجريمة في المجتمع الإسرائيلي

مؤشر القلق  النسبة المئوية (%)
الشعور بزيادة معدلات الجريمة خلال السنوات الثلاث الماضية     53.92
الزيادة في ظاهرة الفساد وتفشي الرشوة       42.9
التعرض للسرقة وتخريب الممتلكات   35.91
الخوف من سرقة اشياء من داخل السيارة     34.87
الخوف من سرقة المنزل بعد مغادرته        33.59

 

ويمكن الربط بين ارتفاع وتيرة القلق وبين معدلات الانتحار، إذ تدل الدراسات الإسرائيلية والتقارير الرسمية التي تمّ تقديمها مؤخراً لوزارة الصحة عن حجم الانتحار في “إسرائيل”، والتي تتضمن معلومات عن عدد حالات الانتحار ونسبتها في الفترة الممتدة 2000-2016 على النتائج التالية:

 

‌أ. معدل الانتحار السنوي هو بين 385-390 حالة.

 

‌ب. أعلى نسبة انتحار بين الجنسين وقعت لمن هم في سن 75 وما فوق.

 

‌ج. معدل الانتحار لليهود في «إسرائيل» أعلى بـ 2.4 مرة من متوسط معدل الانتحار بينالفلسطينيين من أهالي 1948.

 

‌د. معدل الانتحار للمهاجرين اليهود من الاتحاد السوفييتي السابق هو ضعف ما هو عليه بين بقية اليهود، أما بين المهاجرين اليهود من إثيوبيا فهو أعلى بأربعة أضعاف في السنوات الأخيرة من معدله لليهود الآخرين من سكان «إسرائيل».

 

‌هـ. معدل الانتحار بين المتزوجين أقل من معدل الانتحار بين الرجال المطلقين والعازبين.

 

‌و. نحو ثلث محاولات الانتحار بين الشباب كانت لمن هم في حدود سن الـ 21.

 

ويربط بعض الباحثين بين مستويات الانتحار في المجتمع الإسرائيلي وبين توتر البيئة السياسية في «إسرائيل». فمثلاً، تشير دراسة إسرائيلية إلى أن معدل الانتحار يتزايد في كل مرة في العام الذي يلي وقوع حرب بين «إسرائيل» والدول العربية، وقد طبق باحث إسرائيلي هذه القاعدة على “إسرائيل” في جميع حروبها خلال الفترة 1948-2007، ووجد أنها صحيحة في كل الفترات، وهو ما يعني أن الحرب تقود بعد نهايتها إلى توترات عالية في الشعور الجمعي. وتربط دراسات أخرى بين الانتحار وبين عوامل مساعدة له مثل:

 

‌أ. مستوى التدين: حيث لوحظ ارتفاع نسب الانتحار بين العلمانيين أكثر من المتدينين.

 

‌ب. الخلفية الاجتماعية: ارتفاع نسب الانتحار بين اليهود الغربيين أكثر من الشرقيين.

 

‌ج. مستوى التصنيع: ارتفاع نسب الانتحار بين اليهود القادمين من دول صناعية قياساً للقادمين من دول زراعية.

 

‌د. الخدمة العسكرية: إذ ترتفع نسب المنتحرين من العسكريين الإسرائيليين قياساً لنظرائهم من الأعمار نفسها من الذين لا ينخرطون في الجيش، وترتفع النسبة بعد العمليات العسكرية، وهو ما كان ملاحظاً بشكل واضح بعد الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وهو ما يعني عدم اتساق معرفي لدى العسكري الذي تغذى على قيم القوة من ناحية، لكنه يعيش حالة توتر دائمة من ناحية أخرى، وهو الوضع نفسه للجنود الأمريكيين بعد حرب فييتنام، وبعد الحرب العراقية سنة 2003.

 

2- الانحراف الجنسي (تجارة الجنس):

 

يتمثل الانحراف الجنسي في بعدين هما العبودية الجنسية (تأجيراً أو بيعاً) من ناحية، وتهريب البشر من خلال الخطف أو التضليل لأغراض العبودية الجنسية من ناحية ثانية. وتقدر منظمة العمل الدولية التابعة للأمم المتحدة في سنة 2017؛ أن 4.8 مليون نسمة يعملون في نطاق بيع الجنس على المستوى العالمي، وأن 99% من هؤلاء من النساء. وتتراوح تقديرات الأرباح العالمية من تجارة تهريب البشر بين 150-190 مليار دولار، منها نحو مئة مليار لأغراض تجارة الجنس.

 

وعلى الرغم من أن «إسرائيل» تحتل المرتبة المائة بين الدول طبقاً لعدد السكان، إلا أنها تحتل المرتبة 20 عالمياً في الدخل من تجارة الجنس، حيث وصل دخل تجارة الجنس في سنة 2016 إلى نحو 318 مليون دولار سنوياً، بينما قدرت مصادر أخرى الدخل بنحو 500 مليون دولار. ويعمل في القطاع ما بين 12 ألف إلى أكثر من 17 ألف فرد، وأن 71% منهم لجأوا إلى هذه المهنة بسبب الظروف الاقتصادية.

وتشكل الجمهوريات السوفييتية السابقة المصدر الرئيسي لتهريب النساء إلى «إسرائيل» لأغراض الجنس كما أشرنا سابقاً، ووصل المعدل إلى ما بين 3,000 إلى 5,000 سنوياً، وهو ما يقارب من 40-50% من مجموع العاملين في تجارة الجنس حسب التقارير الرسمية الإسرائيلية لسنة 2016.

 

وطبقاً للتصنيفات الدولية، يتم تقسيم العالم إلى ثلاثة مستويات أو إطارات حسب حدة التجارة الجنسية، وكانت «إسرائيل» مصنفة ضمن الإطار أو الحزام الثالث حتى سنة 2001، إلا أنها انتقلت إلى الحزام الثاني سنة 2009، ثم إلى الحزام الأول سنة 2011. كما أن الكنيست الإسرائيلي أقر سنة 2018 قانوناً بتأييد 34 عضواً دون اعتراض أي عضو يمنع الاشتغال بتجارة الجنس، لكنه «يُجَرِّم الزبائن» ولا يجرم بائعة الهوى.

على الرغم من ذلك، فإن المراجع المتخصصة تشير إلى أن عشرة آلاف إسرائيلي يذهبون لدور الدعارة شهرياً.

 

واللافت للنظر في هذه الظاهرة في المجتمع الإسرائيلي، هو تزايدها من ناحية وتنامي العنف في الحصول عليها من ناحية ثانية. فطبقاً للتقارير الأمنية الإسرائيلية لسنتي 2013-2014، فإن معدل الشكاوى التي تصل للمراكز الأمنية بخصوص الاعتداءات الجنسية هي على النحو التالي:

 

‌أ. يصل عدد الشكاوى التي تتلقاها كافة الجهات المختصة بالاغتصاب إلى 40 ألف شكوى سنوياً، يصل منها 15% للأجهزة الأمنية.

 

‌ب. معدل التزايد السنوي في عمليات الاغتصاب يصل إلى 12%.

 

‌ج. 64% من المشتكين هم من أعمار ما بين 12-18 عاماً.

 

‌د. وقوع 957 حالة اعتداء جنسي بين العسكريين، أكثر من نصفها خلال أداء الواجب العسكري.

 

‌هـ. أربعة من كل خمسة شباب تعرضوا بشكل أو آخر للعنف الجنسي.

 

كما تزايد معدل العنف الجنسي بنسبة الضعف خلال سنة 2020 مقارنة بسنة 2019.

 

وقد لوحظ في الفترات الأخيرة، أن عمليات الاغتصاب المنظمة أو العنف الجنسي ضدّ النساء والتي تديرها عصابات إجرامية، أخذت طابعاً عنيفاً بشكل كبير، وهو ما أدى لوقوع المظاهرات ومشاركة أكثر من ثلاثين هيئة رسمية وخاصة في عدد من المدن من بينها تل أبيب وحيفا وبئر السبع وغيرها. ووفقًا لتقرير «الاعتداءات الجنسية ضدّ النساء» المقدم إلى لجنة الكنيست حول وضع المرأة والمساواة بين الجنسين، فتحت الشرطة 6,123 قضية جرائم جنسية سنة 2017، بزيادة 7% عن سنة 2016، وزادت حالات التحرش الجنسي بنسبة 13%، ومن بين النساء اللواتي تعرضن للتحرش، كانت أعمار الثلثين بين 20 و34 عاماً، 22% بين 12 و18، و11% من الأطفال. ووفقاً لمسح الأمن الشخصي الذي أجراه المكتب المركزي للإحصاء Central Bureau of Statistics (CBS)، فإن 3% فقط من الضحايا أبلغوا الشرطة عن إساءة معاملتهن. ويقدر مكتب الإحصاء المركزي أن 121,500 حادث اعتداء جنسي وقع سنة 2017، وهو ما يعزز ظاهرة تزايد هذه الظاهرة بشكل واضح خلال السنوات الخمس الأخيرة.

 

وقد أثارت الحركة النسوية الإسرائيلية مشكلة العلاقة بين «الأمن القومي، والأمن الفردي» خصوصاً العنف الذي تتعرض له المرأة من جانب النوع الاجتماعي أو الجندر، ومن جانب الاعتداء الجنسي عليها، أو من زاوية المكانة التي تحظى بها المرأة في صفوف الجيش الإسرائيلي في الترقية أو الالتحاق ببعض الوحدات.

 

3- المخدرات:

 

تحتل «إسرائيل» المرتبة 136 من بين 183 دولة من حيث نسبة الوفيات الناتجة عن تعاطي المخدرات، وتصل نسبة الوفيات لكل مئة ألف نسمة إلى 0.67 وفاة.

 

وتشير تقارير صحفية إسرائيلية إلى أن المستوطنين الإسرائيليين الأقرب لحدود قطاع غزة هم الأعلى في الإدمان على المخدرات، بسبب حالة الاضطراب النفسي التي يعيشونها، وأن هذه النسبة تشهد تزايداً واضحاً.

 

وأفاد مسح وبائي في «إسرائيل» بين البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و65 عاماً إلى أن 27% من السكان استخدموا القنب، و2% مخدرات أخرى غير مشروعة، مع 0.25% أبلغوا عن استخدام الهيروين خلال هذه الفترة، وتشير التقديرات إلى أن هناك 15 ألف إلى 25 ألف شخص يتعاطون المخدرات في «إسرائيل»، على الرغم من أن العدد الدقيق للأشخاص الذين يتعاطون المخدرات بالحقن غير معروف، كما هو الحال بالنسبة لانتشار فيروس نقص المناعة البشرية/ الإيدز بينهم. ومع ذلك، ووفقاً لقاعدة بيانات من وزارة الصحة الإسرائيلية – قسم السل والإيدز، تمّ الإبلاغ عن 260 حالة في سنة 2017، كما أن 56% منهم مصابون بفيروس إلتهاب الكبد الوبائي سي، و5% من المرضى مصابون بفيروس نقص المناعة البشرية.

 

ويشير تقرير أعدته منظمة إيليم، وتمّ تسليمه للرئيس الاسرائيلي روفين ريفلين إلى ما يلي:

أ. واحد من كل أربعة شباب إسرائيليين من سن 12 عاماً فما فوق يتعاطون المخدرات.

 

ب. ترتفع نسبة الشباب المتعاطين للمخدرات في المناطق الأقل حظاً إلى واحد من كل اثنين.

 

ويشير التقرير إلى أن وسائط التواصل الاجتماعي أدت لتزايد واضح في القدرة على الحصول على المخدرات أو الوصول إلى مروجيها.

 

وتدل الدراسات على أن ظاهرة تعاطي المخدرات في المجتمع الإسرائيلي تزايدت منذ 1967 إلى 1980 بمعدل يصل إلى نحو 26%، وبلغت سنة 1980 نحو 7.2 ألف مدمن، وارتفع العدد إلى نحو 300 ألف يتعاطون المخدرات في المناسبات، أو بشكل دائم سنة 2018، مما يكشف عن تزايد واضح ومتسارع.

 

4- الفساد:

 

تشير تقارير الشفافية الدولية إلى أن معدل الفساد السياسي والاقتصادي في «إسرائيل» يتزايد خصوصاً في السنوات الأخيرة، فقد تراجعت مرتبة «إسرائيل» في مستوى الشفافية من المرتبة 28 سنة 2016، إلى المرتبة 32 سنة 2017، ثم المرتبة 35 سنة 2019، وكان معدل الشفافية سنة 2016 هو 64 نقطة ثم تراجع إلى 60 سنة 2019.

 

لكن الظاهرة التي تستحق العناية هي تزايد عدد الشخصيات في المناصب السياسية العليا الذين تمّ الحكم عليهم بالفساد خلال الفترة 2000-2020، وهو ما يتضح في الجدول التالي:

 

جدول رقم 3: عدد الشخصيات في المناصب السياسية العليا الذين تمّ الحكم عليهم بالفساد خلال الفترة 2000-2020

المنصب   رئيس الدولة رئيس الوزراء وزراء أعضاء كنيست   حاخامات (رجال دين) رؤساء بلديات  المجموع
العدد   1      1      10    14    2      5      33

 ثالثاً: انعكاسات الانحراف الاجتماعي على السلوك السياسي:

تشير نتائج الدراسات الكمية المتخصصة إلى أن العنف السياسي والعنف الاجتماعي يشتركان في سبب أساسي واحد على الأقل، وهو طبيعة وبنية النظام السياسي السائد، فالمؤسسات السياسية الهجينة تُوجِد حالة من عدم اليقين بشأن أساس السلطة الشرعية في المجتمع، وتقوض قدرة الدولة في الحفاظ على سيادة القانون، مما يفتح فضاءً يُوجِد مساحات لأنشطة الرافضين لقيم المجتمع، بكيفية تُجبر الأفراد والجماعات على تحمل عبء الدفاع المباشر عن مصالحهم بأنفسهم، فيختلط العنف السياسي بالعنف الاجتماعي، وهو ما يعيق النمو الاقتصادي ويقوض قدرة الدولة على توفير السلع العامة، مما يزيد من تفاقم ظروف الفقر وعدم المساواة التي تدفع الناس إلى ارتكاب أعمال عنف.

 

علاوة على ذلك، قد تقلل المؤسسات الديمقراطية من مخاطر العنف المنظم ولكنها تزيد من خطر العنف الاجتماعي، حيث تكون هذه المؤسسات ضعيفة بشكل عام. وقد دلت هذه الدراسات على أن إنشاء نظام سياسي مستقر والحفاظ عليه هو شرط من الدرجة الأولى للحد من العنف الاجتماعي، ولكن عند النظر إلى «إسرائيل» نجد أن تزايد مؤشرات العنف الاجتماعي (التي تناولناها) ترافقت مع مؤشر عدم الاستقرار السياسي، ففي الفترة 2000-2018؛ تراوح ترتيب «إسرائيل» في معدل الاستقرار السياسي بين المرتبة 154 و173.

 

ويمكن تحديد بُعد آخر في العلاقة بين الانحراف الاجتماعي وبين السلوك السياسي في المجتمع الإسرائيلي، من خلال الربط بين النزوع للعنف من طرف مجموعات عرقية محددة هي المجموعات العرقية الآسيوية الإفريقية والروسية من ناحية، وهي ذاتها المجموعات الأكثر فقراً من ناحية أخرى، وتدل سجلات جرائم السرقة والعنف الإسرائيلية أن عامل القرب الجغرافي له دور مهم في تركز العنف في مناطق معينة، فكثيراً ما تمّ بناء المستعمرات للمهاجرين الجدد وأغلبهم من روسيا، أو إفريقيا (خصوصاً بعد سنة 1990) قريباً من أو حول المدن الثرية، مما يجعل غواية السرقة عالية، وهو ما تؤكده الدراسات الإسرائيلية المتخصصة، فقد تبين أن نحو نصف عمليات سرقة الممتلكات في المدن تتم من قِبل أفراد من خارج هذه المدن ولكنهم يعيشون بجوارها.

 

من جانب آخر، تتسم تصرفات المستوطنين اليهود العنيفة ضدّ الفلسطينيين بالمزاوجة بين الجرم الأخلاقي (الاعتداء على الممتلكات، أو سرقة الأموال، أو السيارات،…إلخ) وبين الجرم السياسي، إذ إن المستوطن يضفي على جرمه الأخلاقي ذرائع دينية لا سيّما من كان ينتمي للحركات الدينية الأصولية اليهودية، وهي ظاهرة يقر بوجودها عدد من الأكاديميين الإسرائيليين والغربيين، أي تغطية الجرم الأخلاقي بالذريعة الدينية، مما يخلط الدافع الاجتماعي بالدافع السياسي للجريمة.

 

وعند تتبع السلوك الانتخابي لليهود الروس نجد أن 75-80% منهم يصوتون للأحزاب اليمينية المتطرفة، وأبرزها حزب «إسرائيل بيتنا» الذي يقوده اليهودي ذي الأصول الروسية أفيجدور ليبرمان، أي أن المجتمع اليهودي الروسي يغذي كلاً من الأحزاب اليمينية من ناحية، والجريمة الاجتماعية من ناحية أخرى، مما يجعل جذور العنف الاجتماعي مغروسة في التربة السياسية.

 

وتلعب وسائط التواصل الاجتماعي دوراً في عمليات الشحن النفسي، مما يعزز النزعة العنصرية والسلوك العصابي للمجتمع، وتدل الأرقام المتوفرة أن هناك منشوراً إسرائيلياً يدعو للعنف ضدّ العرب والفلسطينيين كل 64 ثانية على وسائل التواصل الاجتماعي، وقد صدر ما مجموعه 495 ألف منشور عنيف ضدّ العرب والفلسطينيين سنة 2019، وقد كانت القائمة العربية المشتركة وقادتها المواضيع الرئيسية للخطاب الصهيوني العنيف خلال الانتخابات البرلمانية في السنة نفسها. وقد نشر المركز العربي للنهوض بوسائل التواصل الاجتماعي نتائج مؤشره السنوي للعنصرية والتحريض في مواقع التواصل الاجتماعي الإسرائيلية لسنة 2019، وكشف البحث أن ذروة التحريض ضدّ الفلسطينيين والعرب في سنة 2019 ارتبطت بجولتَي الانتخابات الإسرائيلية، كما يظهر أن هناك ارتفاعاً بنسبة 14% في الخطاب العنيف تجاه العرب والفلسطينيين بين الجولتين، كما تشير هذه الإحصائيات إلى ارتفاع بنسبة 5% في المنشورات التحريضية مقارنة بإحصاءات 2018.

 

الخلاصة:

 

إن العلاقة بين الجريمة الاجتماعية والجريمة السياسية تكمن في تشابك جذور كل منهما مع الآخر، فمجتمعات الاستعمار الاستيطاني الإحلالي التي تُعلي من قيمة القوة تبث هذه القيمة في جناحيها السياسي والاجتماعي. وقد وجدنا أن نسب توزيع ضحايا الجريمة الاجتماعية، في الشرائح الروسية والإفريقية اليهودية والعربية، أعلى بشكل واضح من نسبة هذه الشرائح في إجمالي عدد السكان، وعند متابعة مستويات عدم الاستقرار السياسي تبين لنا أن هناك ارتفاعاً موازياً في هذا المؤشر مع الارتفاع في معدلات الجريمة الاجتماعية ضدّ الشرائح المذكورة، وتظهر هذه النتائج بشكل واضح في لغة التحريض (خصوصاً وسائل التواصل الاجتماعي) أو في توزيع الأصوات في الانتخابات بشكل يعكس استقطاباً سياسياً موازياً لاستقطاب ضحايا العنف الاجتماعي، وهي النتيجة التي تفسر ما سبق وأشرنا له في مقال سابق عن هواجس الدراسات المستقبلية الإسرائيلية والغربية عن اضطراب اجتماعي سياسي إسرائيلي مستقبلاً.

 

المصدر: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات

من د. وليد عبد الحي

أستاذ علوم سياسية، الأردن