سيف الهاجري

ظهور موجة الردة والإلحاد في السنوات الأخيرة في العالم العربي وفي الخليج العربي على وجه الخصوص وفتح الطريق لها سياسيا وإعلاميا ليس مستغربا لمن يدرك مدى إرتباطها بالأنظمة الوظيفية وكونها أداتها الأخيرة لمواجهة ثورة الشعوب بضربها في دينها وهويتها وتاريخها.

 

لقد عصفت موجة الردة والإلحاد هذه بالساحة السياسية والفكرية وكأن ما عاشه العالم العربي من صحوة إسلامية وإنتشار للجماعات الدعوية لم يكن سوى فقاعة وماض يحن إليه دعاتها!

ظاهرة الصحوة

والحقيقة هي أن ظاهرة الصحوة وبكل أشكالها لم تكن إلا مرحلة أطلقها الملك فهد في مؤتمر مكة عام ١٩٨٠ ليتبنى النظام العربي الرسمي الخطاب الإسلامي لتوظيفه لمواجهة القوى الإسلامية المعارضة للهيمنة الغربية على العالم العربي بعد ظهور حركة جهيمان في السعودية والجماعات الجهادية في مصر!

 

ولبس النظام العربي في مرحلة كامب ديفيد – بالرغم من أنها فتحت باب التطبيع مع الكيان الصهيوني – لباس التدين والإيمان وفتحت الأبواب كلها للحركة الإسلامية لتواجه التيارات الثورية الجهادية، وتحالفت الحركة الإسلامية مع النظام العربي الوظيفي في مصر والمغرب والسودان والجزائر والأردن واليمن والخليج!

ثورة الربيع العربي

ومع ثورة الربيع العربي اهتز النظام العربي وأدواته الوظيفية وظهر عجز التيار الإسلامي المتحالف معه وفشله في ضبط الرأي العام العربي وتوجيهه!

 

وأدركت القوى الغربية المهيمنة على العالم العربي وعلى رأسها أمريكا بأن ثورة الربيع العربي قد أنهت مرحلة كامب ديفيد بكل تجلياتها السياسية والدينية والفكرية،ولذا أطلق الرئيس ترامب مشروع صفقة القرن في قمة الرياض ٢٠١٧ بعد ٤ سنوات من الثورة المضادة بعد انقلاب السيسي في مصر ٢٠١٣ والتي مهدت الطريق لموجة جديدة من الردة والإلحاد لتتوافق مع مواصفات صفقة القرن لعلمنة النظام السياسي العربي وتغريب المجتمعات لدمجها ضمن المنظومة الغربية فكريا وسياسيا واقتصاديا!

توظيف الصحوة

لقد تم توظيف الصحوة في العالم العربي ضمن مشروع ريغان لمواجهة الاتحاد السوفيتي كما بين ذلك الأمير بندر بن سلطان السفير السعودي في واشنطن في مذكراته بكل وضوح بأنه تم (استخدام الدين وقلنا الشيوعيون ملحدون إنهم غير مؤمنين ونحن نحارب لأسباب دينية وجيشنا العالم الإسلامي وراءنا، وهو ما توافق تماما مع استراتيجية ريغن لقتال الاتحاد السوفيتي في منطقة لا يستطيعون التأثير فيها كما نؤثّر نحن) «كتاب الأمير–وليام سيمبسون ص141 الدار العربية للعلوم».

 

وكما تم توظيف الصحوة من قبل وانتهى دورها، جاءت مرحلة الردة والإلحاد للتحول نحو العلمنة للدولة والمجتمع في العالم العربي في سياق مشروع صفقة القرن وهو ما صرح به السفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة في مقابلة على قناة (PBS) الأميركية ( بأن ما تريده الإمارات والسعودية والأردن ومصر والبحرين للشرق الأوسط بعد عشر سنوات هو حكومات علمانية مستقرة)!

الحركة الإسلامية وخطاب علي عبدالرازق

وفي الوقت ذاته تبنت الحركة الإسلامية خطاب علي عبدالرازق بأن الإسلام لم يأت بنظام للحكم وأن الخلافة ليست من الدين، ليصبح هذا الخطاب المبدل هو المرجعية الشرعية لخطاب الحركة الإسلامية السياسي ومؤسساتها العلمائية الشعبية بعد الثورة المضادة وبغطاء من النظام العربي وبدعم ورعاية خليجية!

 

وهكذا مازال النظام الدولي الغربي وقواه الصليبية يوظف المنظومة العربية بأنظمتها وجماعاتها وتياراتها ضمن مشاريعه الدولية للسيطرة والهيمنة على العالم ومواجهة القوى المنافسة له كالاتحاد السوفيتي من قبل وتركيا والثورة العربية اليوم سواء تحت شعار الصحوة أو العلمانية، فهل يبقى الناس على دين ملوكهم أو تشق ثورة الربيع العربي طريقها لتخرج الشعوب من دائرة التوظيف في مشاريع الآخرين لتعود إلى الإسلام كدين ودولة؟

من سيف الهاجري

مفكر وسياسي - الأمين العام لحزب الأمة الكويتي