د. أحمد الشربيني
د. أحمد الشربيني

حدثني طبيبٌ مصري ممن يرابطون بشكلٍ يومي على جبهة الوباء الكروني أنه شهد أمرًا عجيبًا تشيب له الرؤوس وتقشعر منه النفوس… ولما سألته عن السبب أجابني في عجب لقد عالجت ذات يوم ثلاث حالات وبائية  لشابين يافعين ثالثهما شيخ طعين يتخطى حاجز الثمانين… وأنت تعلم أخي الأمين أن أولوية الإنقاذ للشباب والأطفال أما الطاعنين فلا مجال!! لكن الأغرب أن الشابين ساءت حالتهما في النهاية ولم تسعفهما أجهزة العناية… فكانت الفاجعة الموجعة وحملنا كيسيهما بقلوب دامعة…. أما الشيخ التقى الذي تركناه في ركن قصي بلا اكتراث أو نظرة ألفيته جالسًا على أحد الأَسرة يتمتم بآيات القرآن والصلاة على النبي العدنان وصوته يملأ الأركان وظننتُ وقتها أنها صحوة ما قبل مصيره المحتوم… لكنني بمجرد قياس نبضه واختبار صدره اعترتني الدهشة وعلاني الوجوم…يا إلهي!! لقد استقرت حالته وانجلت محنته وأخذ عكازه وانتصب بلا عناء أو نصب ثم نظر إلى ونادى علي وقال: يا طبيب.. يا بني الحبيب هلم إلى وكن الآن بين يدي… وبسمته التقى ووجهه النوراني قال: أعلم ما وراء جنانك ولسان حالك.. ستقول لي :كيف نهضت ومن البلاء نجوت وأفقت؟!!

 

فأجبته باكيًا ولصفحه راجيًا:أطال الله عمرك وأجزل خيرك وسامحني إن اهتممت بغيرك وتركت أمرك!! فقال ولدي لا عليك من الاعتذار والبكاء… فأمري أوكلته لرب السماء؛ فبيده الشفاء ورفع البلاء.. وتلك الجوارح حفظناها في الصغر فوقتنا في الكبر!!!؛

ثم تلى قوله تعالى:

((وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ))

 

فسألتُ الشيخ الصوفي ذا القلب النقي والحس الأدبي مستميحًا سمته الريفي الندي قائلاً: يا شيخنا الجليل لِمَ حلَّ الوباء وشاع الفتكُ والفناء وذاق العباد ألمَ الفقر والغلاء؟ أليس فينا الشيوخ الركع وبيننا الصغار الرضع وعندنا البهائم الرتع؟!!!

 

فأجابني بشعر رخيم نبره رحيم:

وباءُ الفَتك للأحباب آن

** ولحدُ الليلِ يعوى في العنانِ

ونار الحَتفِ زُفَّ لها وقودٌ

** فهاك الشَّيخُ مع طفل الجنانِ

مُصيبةُ أمةٍ في الدَّاء باتتْ

** على الأشهادِ في أَسْرِ اللِّعانِ

فَجيعةُ نكبةٍ في الأفق صَالتْ

** وطبُ الأرضِ أَمْسَى في ارتهانِ

(كرونا)سيفها منحارُ أنفس

** فلا وزرٌ ولا صدرٌ مُصَان

صراخٌ بيتنا فالأمُّ ماتتْ

** وعزل الزَّوجِ مع طفل الرهانِ

هنا فقدُ الخليلة للحنانِ

** هنا شوق اليتيمة للأمانِ

وجفنُ الحزن مع فوت الشبابِ

** وسهمُ الموتِ يذوى بالحسانِ

فقد عَظُمت بليتُنَا وعَمَّت

** ودكَّ الخوفُ أبراج الحنانِ

وبتنا  عند ذلك كالسُّكَارى

** نطوح بالصُّراخِ كما القِيَانِ

نصفقُ باليَمنِ على الشمالِ

** وخارَ الطبُّ مع طعن السِّنانِ

وزخَّاتٌ من الأوحال طَمَّت

** وبات الرَّعدُ مِرْسَال العوانِ

وأحلامٌ مَدى الأَيَّامِ تَمضى

** إلى فخ الكرونةِ كالختانِ

وأناتٌ من الأوطانِ تَاقَتْ

** إلى يَومِ القِيَامةِ والجنانِ!!

وأضحى ذو الصحاح على فراشٍ

** كمثل اللَّحد في أسر الكيانِ

وأمسى للهواءِ على وداعٍ

** وشلَّ الثكل أنفاسَ البَنانِ!!

وصرنا بين ذاك كالضحايا

** تدلى الخوف منا كالهجانِ

رجوع الخلق الرحمن آن

** فتب لله مع طُهر الجَنانِ

هنا حصنُ الخليقة كالبيان

** إلى القرآنِ في دفع الهوانِ

فإخباتٌ إلى الرحمن هيَّا

** ودمعُ القلبِ يرنو للأمانِ

 

فقلت زدني إيضاحًا يا إمام فأنى لطبيب السقام أن يتذوق القريض ومدلوله العريض!!!

فتبسم ضاحكًا من قولي هامسًا في أذني..وقال:ولدي الهمام سأُفْضِي لك بحال الأنام: لقد انقطعت عُرا الأرحام وغاضت التقوى في نفوس الأنام وحل الحقد  بأطنابِه وتفشى الجهل وطلابُه … ترى جُسومًا ولا ترى عقولاً وتسمع طُبولاً ولا ترى رُكوعًا وسجودًا .. تركنا كتابَ الله مَطْروحًا يعلوه التراب ودلفنا إلى الفيس والجوجل والموائد العذاب… ذهلنا عن دروس العلم وأزاهير التقوى وهرعنا صوب كاليتشو (الريال) و(البارسا).. عزفنا عن سماع أساطين القراء وتدبر الآيات ويممنا وجهتنا قِبَل منصات التوك شو ومراقص الكليبات… تركنا قراءة الأوراد والسير والمغازى ووقعنا  طواعية فى براثن المحتل والغازي فالأجيال يقيلون على القصص التركية والسينما الهندية..وينامون على الفواحش الإلكترونية والسموم الهوليودية اليهودية فأضحى الشباب يسبحون بطلة شاروخان وحلة سيف على خان… ولا يتقنون كتابة آية من سورة الرحمن…!! صار الشباب يمتشقون سيف الشهوات ويمتطون صهوة النزوات آخذين بزمام مقاطع الجوالات… نافضين عنهم الحياء والاحتشام إلى حيث الصداقة والغرام…على المقاهى متراصون وفى المباريات يحللون وينقدون وللموبيقات والمنابذات والمساجلات يحتشدون.. ذهب التُقاة الصالحون ومن بقي منهم ذِيق رَيب المنون…!! فكم أُنَاسٍ فم يسبح ويد تذبح!!… صوت ينصح ونبر يفضح.!!.. أملقت الحقول من فلاحيها وعطلت المساجد من مصليها وحرمت المكتبات والكتاتيب من سواقيها ومحبيها… تسمع أصوات المحافل والمهرجانات ولا تسمع ترتيلاً أو قراءات… ترقب في القوارير سفورًا ونفورًا وفى الصبية تخنثًا وشرورًا… تراهم سكارى وما هم بسكارى يقضون في التفاهات والسخافات أوقاتهم ليلاً ونهارًا خفية وجهارًا…ترى قناة تكيل الأكاذيب وتجمل الذئاب وتلعن أهل الصلاح بأقذع السباب ..فالأمانة ضاعت والأجيال صاعت والنساء ماعت والرجال شاهت والأطفال تاهت .. فذهب الناس فلا ناس

***وصار بعد الطمع الياس

وصارت السفلة سادتنا

*****وعلا الذنب الراس!!!

 

فصرت تسمع الفظائع والفضائح وترمق الخنا والقبائح… وأمسى الخونة يشمتون بالجنود والشهداء ويسبحون بحمد من غيبوا فخانوا ووجهوا فهانوا وأُجِّروا فقتلوا وكلفوا فسفكوا… لا وطن لهم ولا أهل ولا تاريخ  وإنما الجهل وأبو جهل..لا يعترفون بالجغرافيا والطبوغرافيا وإنما هو الانقياد الأعمى للطاغوت الأسمى إمامهم داعش وصدرهم داعر فاحش..شعارات رنانة وأبواق ريانة وأيديهم  ملطخة بالعار والدمار والخزى والشنار… ترى أهل الصلاح إمامهم أبو صلاح وإلى موائد المباراة ينادون حي على الفلاح حي على الكفاح… وخلفهم مآذن تجأر تستميح منهم من وعى نداء الحق الأنور… الله أكبر الله أكبر… فلا صلاة مفروضة تؤدى ولا نافلة … ولا صلاة استسقاء بالصالحين والمخلصين -كما كنت تراها – حافلة..بل الأدهى والأمر أن تراهم يلحنون في آي القرآن ويعبثون بأسباب نزولها..فترى خياطًا يعلق يافطةً مكتوبًا عليها قوله تعالى:(( وكل شيء فصلناه تفصيلا)).. وترى سمكريًا يكتب على  ورشته القميئة قوله تعالى: ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقى إلا بالله)) وترى حلاقًا يكتب قوله تعالى: ((نحن نقص عليك أحسن القصص)).. فلا تعجب إن وجدت آباءً تظلم أبناءها وبنين يعقون آباءها… ولاعجب إن رأيت الفاحشة والخنا وأكل الحرام والربا.. فقد أضحت الذنوب  كالمتاريس مهما صقعت العتاريس ونام الناس عن صلاة الفجر وركنوا للدعة والفُجر…. رحماك يا رب .. يا غفار الذنوب ياستار العيوب يا مفرج الكروب يا واهب كل مطلوب أغثنا ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا ..ولا تمتنا إلا وأنت راضٍ عنا… اللهم يا مصرف الكون يا من أمره بين الكاف والنون ارزقنا غيثا مدرارًا وفيضًا مكثارًا.. وارزقنا ذكرك ليلا ونهارًا ونجنا من الأوصاب والأسقام وقنا شر الطغام واللئام))

 

قلت للصوفي الجليل:شيخنا الأصيل أين المفر من ذاك الداء الوبيل والواقع المريض الكليل؟

 

قال الصوفي متبسماً: يا بني بنو البشر الآن أضحت أخلاقهم في خبر كان… وما يحدث الآن مفتاح سره قول الرحمن في محكم القرآن((ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون)) ولكن هيهات هيهات..فإن لله عبادًا صفاهم فلما صفاهم نقاهم فلما نقاهم حلاهم فلما حلاهم علاهم فلما علاهم رقاهم فلما رقاهم أدناهم فلما أدناهم وصلوا فلما وصلوا اتصلوا فلما اتصلوا فاضت عليهم الأنوار وتكشفت لهم الأستار ودخلوا في معية الغفار الواحد القهار.

ثم تلى قوله تعالى:

((لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ)) [الرعد:١١]

فسكت لأتدبر وفى قوله أتفكر ولجوهره أتبصر…!!!؟

 

 دكتور/ أحمد محمد الشربيني.. سفير الطفولة والشباب.