حشاني زغيدي

في الكثير ندعي أننا نعرف الناس ونعرف طباعهم ولكن تلك التعارفات هي مجرد لقاء عابر، لقاء برتوكولي، ولكن التعارف الحقيقي شيء ٱخر غير  لقاءات المجاملات، قد يصدق وصف ذلك التعارف، بتعارف المخطوبين،  فالجميع يتزين بألوان هلامية، يفضحها أول لقاء محّكي، وأصدق علاقة بين الشريكين، تبدأ مع يوميات الزواج،  العيش في كنف البيت الواحد، مع تقاسم الأعباء، حينها فقط  تظهر لنا حقيقة تلك العلاقة. فأحكامنا القبلية في التعارف غير مؤسسة، ولا تستند لركائز التعارف الحقيقي.

 

فإن أصدق العلاقات هي التي تنشأ من خلال تبادل المصالح، وتبادل الخدمات، فالتاجر أعرف الناس بطبائع الناس، فهو يميز الوفي من الغدار، يعرف المماطل من الحريص، وحكمه في العلاقة مبني على معاملات واقعية.

 

إن هذه العلاقة يفرض أن تحكمها  دعائم و أركان  تسند  هذه الرابطة:

 

أولها: تعارف يتجاوز الأسماء والألقاب، تعارف تكون فيه صفحة أحوالنا الشخصية بكل تفاصيلها مبينة، فيعرف أحدنا طبائع المرء الذي اخترنا أن نصاحبه، فنعرفه عند الرضا والغصب، نعرفه في ضيقه وأو قات فرحه.

 

ثانيها: تفاهم  بين طرفي هذه العلاقة، حيث يسود بين الطرفين احترام متبادل، تتناغم فيه وجهات النظر دون أن يكون لأحد الأطراف السيطرة والتحكم واحتكار وجهات النظر، كما لا يكون الاختلاف في وجهات النظر دافعا للفرقة أو الخصومة، وقد وجدنا الكثير من الروابط تنفك وتفصل لأتفه الأسباب، لأنها علاقات غير محصنة، وقد حفظنا أجمل الأمثال الشعبية التي صاغتها التجربة الإنسانية (إن لم تكن معي فأنت أخي).

 

ثالثها: التكافل أقوى الوسائل الداعمة، فالروابط  التي يتوثق عقدها بقوة، نجدها يغذيها بعد اجتماعي تكافلي، مبني على  التعاون والمشاركة  في الخدمات  الحياتية، كالمشاركة في الأفراح والأتراح، والنوائب والملمات، فندخل السرور والبهجة مع من تقاسمنا معه  هذه الرابطة الإنسانية أو الإيمانية، التي  تحمل معانيها هذه الأبيات الشعرية الراقية في مضمونها:

 

صديقك الحق من كان معك.

ومن يضر نفسه لينفعك.

ومن إذا ريب الزمان صدعك.

شتت فيك شمله ليجمعك

 

لهذا ليس من المعقول أن نقول بلسان الحال، هذا صديقي وهذا صاحبي، هذا نعرفه أعز المعرفة، وما هذا التعارف وهذه الصحبة إلا معرفة عابرة سطحية، لا يحق أن تبنى عليها أحكام الصحبة والصداقة.

 

جاء في  الخبر ذكره بمعناه الحكيم الترمذي في أدب النفس فقال: وما جاء عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ حدثنا بذلك صالح بن محمد، قال: حدثنا القاسم العمري، عن عاصم بن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه:

( أن رجلًا أثنى على رجل عند عمر ـ رضي الله عنه ـ فقال: صحبته في سفر؟ فقال: لا، قال: فأتمنته على شيء؟ قال: لا، قال: ويحك! لعلك رأيته يخفض ويرفع في المسجد).

حشاني زغيدي

من حشاني زغيدي

مدير مدرسة متقاعد، مهتم بالشأن التربوي والدعوي، الجزائر