حمدي شفيق

منذ أكثر من 35 عامًا زرت العلّامة أسد المنابر الشيخ كشك لأول مرّة..

كنت في ذلك الوقت صحفيًا صغيرًا، أسعى إلى الحصول على سبق صحفي، بإجراء حوار

مع الداعية الكبير،

الذي ترتعد فرائص الطغاة رعْبًا من خطبه النارية..

وما إن دخلت شقته، حتى أدركت على الفور أنه عالم عامل عابد زاهد،

وليس من المُتكالبين على حُطام الدنيا.

العالم الزاهد

فقد كان هذا العَلَم الذي طارت شهرته في سائر أنحاء العالم الإسلامي، يسكن في إحدى شقق المساكن الشعبية البسيطة.

ولاحظت أن الحوائط لم يقم أحد بطلائها منذ سنوات، وأن الأثاث بسيط للغاية،

فلم يكن له -رحمه الله- دخل، سوى راتبه القليل، كإمام وخطيب بوزارة الأوقاف..

ولو شاء لسكن القصور، وحصد الملايين.. فقد عرضت عليه إحدى الدول الخليجية (شيكًا على بياض) ليتولّى التدريس في إحدى جامعاتها،

والخطابة في أحد أكبر مساجدها، بشرط ألا يتطرّق إلى السياسة،

وأن يكفّ عن انتقاداته اللاذعة للرؤساء والملوك العرب..

ولم يتردّد الأسد الهصور لحظة واحدة في الرفض..

ورفض أيضًا دعوات متكرّرات بإلحاح، لأداء فريضة الحج، في ضيافة عدة حكومات،

وصبر إلى أن جمع مبلغًا من مدخرات الأسرة، وقام بأداء الفريضة مثل عامة الناس.

ملك المغرب والشيخ كشك

وأرسل إليه الحسن الثاني ملك المغرب السابق، يعرض عليه إلقاء دروس في رمضان بأكبر مساجد المملكة، بالأجر الذي يحدّده هو..

رد عليه العالم العظيم: (الأستاذ لا يسعى إلى التلاميذ.. فمن أراد العلم فليأت إليه هنا في مسجدي)!!

 

وقد تحوّلت جلستي مع الشيخ إلى درس تاريخي بليغ، لم ولن أنساه ما حييت، ونفعني الله به طوال عمري..

إذ وجدت نفسي سابحًا في بحر علم الرجل وثقافته الواسعة الموسوعية..

وأغرقني أيضًا في سيل من النكات والقفشات التي لم أسمعها من قبل!

فقد كان من ظرفاء الزمان، ولا يملّ جليسه حديثه الممتع مطلقًا!

قفشة أضحكته

وأذكر أنني جاريته فقلت قفشة أضحكته، ولم ينس أن يصحّح لي النطق، في ذات الوقت،

لأنه كان من أساطين اللغة العربية، فضلًا عن الفقه والتفسير والسيرة والتاريخ والسياسة، وغيرها من العلوم الشرعية والاجتماعية المتنوّعة.

 

وكان حاد الذكاء، حاضر البديهة، لاذع السخرية.. والويل لمن كان يقع فريسة له من الحكّام!

وقد شكاه الرئيس السوداني الأسبق جعفر نميرى إلى الرئيس السادات، وكان هذا سببًا في اعتقاله بعدها،

فضلًا عن هجماته الصاروخية على السادات شخصيًا، ومن قبله عبد الناصر، وكل القادة العرب والعجم في عصره بلا استثناء.

 

وكان قد تعرّض للاعتقال قبلها عدة مرّات في الستينيات، بتهم صارخة التلفيق، لأنه كان كفيف البصر،

وبالتالي يستحيل اتهامه بارتكاب أعمال عنف، أو إرهاب أو كباب!

 

وفي أوّل مرّة اعتقلوه فيها، أخرجوه من السجن،

ليتسلّم جائزة المركز الأول في امتحان الثانوية الأزهرية على مستوى الجمهورية، من الرئيس عبد الناصر في عيد العلم.

وأعمى الله قلب الطاغية، وطمس على بصيرته،

فلم يأمر بتحرير الطالب العبقري الكفيف، المحبوس ظلمًا، وأعادوه إلى الزنزانة بعد تسلم الجائزة!

في عهد مبارك

وفي عهد المخلوع مبارك أخرجوه مع باقي المُعتقلين من سجن طرة،

لكنه بقى محدّد الإقامة، ممنوعًا من الخطابة، إلى أن لقي الله..

 

وكانت منحة في ثوب محنة، إذ تفرّغ الشيخ لإنجاز تفسير كامل للقرآن الكريم،

فضلًا عن عشرات من المؤلفات القيّمة وسيرته الذاتية الحافلة.

 

وقال لي رحمه الله: لا يهمني أنهم منعوني من الخطابة، فمعظم ما أريد قوله محفوظ في مئات الأشرطة والتسجيلات،

وهي متداولة بأيدي الناس، موجودة لمن يرغب فيها.. ولم تكن هناك فضائيات ولا إنترنت في عصره..

نشر خطبه عبر الانترنت

وشاء الله تعالى أن ينتشر علم العبد الصالح، رغم حصار الطواغيت،

فقام أهل الخير من طلبة العلم -بورك فيهم- ببث خطب ودروس الشيخ عبر الإنترنت، في مئات المواقع بعد وفاته،

 

وهي كنوز علمية وثقافية إسلامية هائلة، تغنى الطالب عن سنوات كاملات يقضيها في الجامعات..

 

وهناك كرامة لهذا العبد الصالح، كنت أنا الشاهد عليها.. فقد خشيت إدارة المجلة التي أعمل بها عاقبة نشر حديثه معي،

 

ورفضوا أيضًا نشر مذكراته على حلقات، كما فعلوا مع دعاة آخرين.

 

وشعرت بحزن عميق، ولم أدر ما أقول للشيخ، لكنّه، بفطنته، فهم الموقف بغير كلام، وأدرك أنّني مجرد محرّر صغير تحت التمرين، لا أملك شيئًا..

ولم أخرج من عنده صفر اليدين، فقد ظفرت بدعوات صالحات منه -رحمه الله- ما أحب أن لي بهن الدنيا وما عليها..

النور تنشر الحوار

وبعد حوالي 12 سنة فقط، شاء الله تعالى أن أتولّى رئاسة تحرير جريدة (النور) الإسلامية التي كان يصدرها حزب الأحرار.

و تحقّقت رغبتي، فنشرت حديثًا أجراه أحد الزملاء مع الشيخ كشك على صفحة كاملة، مع نشر مذكّراته بالجريدة على حلقات، بالضبط، كما تمنيت قبلها ب 12 سنة!!

 

وكذلك مات هذا العالم العامل ساجدًا يوم الجمعة.وهذه كرامة ظاهرة، ولا نزكّى على الله أحدًا.

رضي الله عن شيخنا الجليل عبد الحميد كشك. وأرضاه ، وأكرم مأواه،

فما أظُنّ أن المنابر قد اعتلاها في عصره مثله.