د. أحمد الريسونى

المبحث الثالث: مقصد السلام وأدلته في الإسلام

في المبحث الأول رأينا مدى حرص الرسول الكريم على السلام والوئام ونشر قيم الرفق والعفو، والتسامح والتصالح، وأنه استمات في نهجه السلمي هذا زمنا طويلا، وتجرع لأجله هو وأصحابه كل أشكال الظلم والعدوان والأذى، وبذلوا في ذلك كل ما يمكن من الصبر والحلم والتأني. ولم يرفعوا سيف الدفاع إلا بعد أن أصبحوا في مفرق طريقين لا ثالث لهما: طريق البقاء، وطريق الفناء. ونتذكر هنا معركة بدر الكبرى، حين جاءت قريش بألف مقاتل لغزو المسلمين واستئصال شأفتهم، فكان النبي صلى الله عليه وسلم أثناء المعركة يدعو ربه قائلا:  «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض»[29].

ورأينا في المبحث الثاني أن الإسلام حين شرع للمسلمين القتال لصد العدوان والدفاع عن أنفسهم ودينهم، وضع لذلك حدودا وقيودا، حتى لا يتحول دفع العدوان إلى عدوان.

فهذا وذاك يدلان على كون الإسلام متشوفا للسلم حريصا على الأمن إلى أقصى حد ممكن، وأنه يعتبر “السلم قاعدة، والحرب ضرورة”، حسب عبارة سيد قطب رحمه الله[30].

ولكن قصد الإسلام وسعيه إلى تحقيق السلم والأمن بين الناس لا ينحصر فيما تقدم، بل جاءت به آيات أخرى صريحة، وأحاديث وتطبيقات نبوية صحيحة، أَعرضُ ما تيسر منها في هذا المبحث.

قواعد قرآنية في تأسيس السلم وتأصيله

قال الله عز جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِين} [البقرة: 208].

في الآية نداء وأمر للمؤمنين بأن يدخلوا جميعا في السلم. فالسلم في الآية مطلب كلي شامل، يوجه اللهُ تعالى كافةَ المؤمنين للإقبال عليه والدخول تحت ظله. فما هو هذا السلم المأمور به في الآية؟

قال الفخر الرازي: “أصل هذه الكلمة من الانقياد، قال الله تعالى: (إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت) [البقرة: 131]، والإسلام إنما سمي إسلاما لهذا المعنى، وغلب اسم السلم على الصلح وترك الحرب، وهذا أيضا راجع إلى هذا المعنى، لأن عند الصلح ينقاد كل واحد لصاحبه ولا ينازعه فيه، قال أبو عبيدة: وفيه لغات ثلاث: السِّلم، والسَّلم، والسَّلَم”.

وقد ذهب كثير من المفسرين إلى أن الدخول في السلم هنا معناه الدخول في الإسلام وشرائعه. وفي هذا تكلف وبُعد؛

فهو أولا: عدول عن ظاهر اللغة، فرغم أن السلم والإسلام يرجعان إلى معنى مشترك هو أصل الكلمة، فإن لكل منهما معناه الخاص ودلالته الخاصة. ولو ذهبنا نخلط بين معاني الألفاظ ونهدر ما بينها من فروق، لفقدنا عمدتنا الأولى في فهم خطاب الشرع، وهي الدلالات اللغوية.

وثانيا: القرآن الكريم استعمل لفظ “الإسلام”، وعبر به عن الرسالة المحمدية، فهو اسمها الاصطلاحي الشرعي. وكل لفظ آخر، لا بد أن يكون له دلالة خاصة مختلفة، أو أضيق، أو أوسع. فلا يستقيم – لا لغة ولا شرعا – جعل “السلم” مرادفا لـ”الإسلام”. ولذلك قال الرازي: “في الآية إشكال[31]، وهو أن كثيرا من المفسرين حملوا السلم على الإسلام، فيصير تقدير الآية: يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في الإسلام، والإيمان هو الإسلام، ومعلوم أن ذلك غير جائز، ولأجل هذا السؤال ذكر المفسرون وجوها في تأويل هذه الآية…”[32] .

وثالثا: من بين التأويلات والتكلفات التي تُذكر – بعد تفسيرهم الدخول في السلم بأنه الدخول في الإسلام – قولهم بأن النداء في مطلع الآية (يا أيها الذين آمنوا)، مراد به أهل الكتاب، أو إلى المنافقون.. مع أن عبارة (يا أيها الذين آمنوا) معهودة معلومة المعنى في القرآن الكريم، وقد وردت فيه نحو مائة مرة، لا تعني سوى المسلمين.

فبقي أن المعنى الواضح المستقيم، المغني عن التأويلات المتعبة، هو أن الآية تحثُّ المسلمين على الدخول في المسالمة والمهادنة والوفاق، ما أمكن، وإيثارِه على نهج الصراعات والحروب.

قال الإمام ابن عاشور: “فكون السلم من أسماء الصلح لا خلاف فيه بين أئمة اللغة، فهو مراد من الآية لا محالة. وكونه يطلق على الإسلام – إذا صح ذلك – جاز أي يكون مرادا أيضا، ويكون من استعمال المشترك في معنييه، فعلى أن يكون المراد بالسلم المسالمة كما يقتضيه خطابهم بـ(يا أيها الذين آمنوا) الذي هو كاللقب للمسلمين ،كان المعنى: أمرهم بالدخول في المسالمة دون القتال، وكما تقتضيه صيغة الأمر في (ادخلوا) من أن حقيقتها طلب تحصيل فعل لم يكن حاصلا، أو كان مفَـرَّطا في بعضه”[33].

وهذا الأصل العام يبقى مطلوبا ومطردا حتى في حال قيام الحرب والعداوة، وهو ما جاء الحث عليه في عدة آيات، كما في قوله عز وجل: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [الأنفال: 61]. فالسلم هنا – بدون خلاف – هي ما يقابل الحرب، أي التصالح والعيش بأمان متبادل. فهو غرض مقصود مأمور به شرعا، وفاقا للآية السابقة.

وعلى هذا النهج أيضا يأتي قوله تعالى: {فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا} [النساء: 90].

وقوله أيضا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [النساء: 94].

وفي جميع الأحوال، فإن قاعدة الشرع هي: {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 7].

مقصد السلم في السيرة النبوية

لقد رأينا في المبحث الأول ذلك الصبرَ الطويل الذي استمر عليه رسول الله وصحابته وهم يتعرضون لكل ما يمكن من ألوان الظلم والعدوان والفتنة في دينهم. وكان الصحابة مرارا يهمون بالردّ والدفاع عن أنفسهم، ولكنهم يستأذنون في ذلك فلا يؤذن لهم…

إضافة إلى ذلك، أعرض الآن لموقفين آخرين من السعي النبوي إلى تحقيق السلام وتثبيته بالعهود والمواثيق. الأول فيما بين أهل المدينة المنورة، والثاني هو ما يعرف بصلح الحديبية[34].

وثيقة المدينة

مباشرة بعد هجرة رسول الله وصحابته إلى المدينة المنورة بادر عليه السلام إلى وضع نظام توافقي للتعايش والتكافل، وتحديد الحقوق والواجبات، والمسؤوليات المدنية والجنائية بين سكانها. وسكان المدينة يومئذ هم: المسلمون (أنصاراً ومهاجرين)، والمشركون، واليهود. ويعرف هذا النظام باسم (الوثيقة) أو (وثيقة المدينة) أو (صحيفة المدينة)، ويصفها بعض المعاصرين بالدستور الإسلامي الأول.

“قال ابن إسحاق: وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا بين المهاجرين والأنصار، وادع فيه يهودَ وعاهدهم، وأقرهم على دينهم وأموالهم، وشرط لهم، واشترط عليه…”[35] .

وهذا التدبير النبوي – في جملته وأهم بنوده – تتفق عليه روايات المحدِّثين وكُـتَّابِ السيرة النبوية. وهو القدر الذي يهمنا ويتعلق به موضوعنا ويثبت به مقصودنا في هذا البحث[36]. وقد كان عملا رائدا في تاريخ التعايش السلمي المنظم، لولا أن يهود المدينة لم يلزموا به، واختاروا التحالف مع قريش والقتال إلى جانبها…

صلح الحديبية

صلح الحديبية شهير جدا، متواتر في العديد من وقائعه وملابساته، بما فيها بنود الصلح الذي عقده رسول الله مع قريش… وقد خلد القرآن الكريم جوانب أساسية من مقدماته ونتائجه، في سورة الفتح. ولذلك لا أرى أن أسرد تفاصيل ما جرى، وأكتفي هنا بعبارة جوهرية معبرة تعبيرا صريحا وبليغا عن المقصد السلمي للنبي صلى الله عليه وسلم، وهي قوله  أثناء التفاوض والتجاذب مع قريش: (والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها)[37]. وكذلك كان؛ فقد ساير النبيُّ قريشا ولانَ لهم إلى أقصى الحدود الممكنة، حتى تحقق بذلك الصلح واستتب السلام.

وكان من بركات ذلك السلام أن دعوة الإسلام وحركة انتشاره في القبائل العربية عرفت من التوسع في غضون سنتين أكثر مما عرفته طيلة عمرها السابق، أي طيلة عشرين عاما خلت قبل الصلح.. “قال الزهري: فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب أوزارها وأمِنَ الناس، كَـلّمَ بعضُهم بعضا، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يكلَّم أحد في الإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثلُ من كان دخل في الإسلام قبل ذلك أو أكثر”[38].

وقال الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم: “قال العلماء: والمصلحة المترتبة على إتمام هذا الصلح ما ظهر من ثمراته الباهرة وفوائده المتظاهرة، التي كانت عاقبتها فتح مكة وإسلام أهلها كلها ودخول الناس في دين الله أفواجا. وذلك أنهم قبل الصلح لم يكونوا يختلطون بالمسلمين ولا تتظاهر عندهم أمور النبي صلى الله عليه وسلم كما هي، ولا يَـحُلُّون بمن يُعْلمهم بها مفصلة. فلما حصل صلح الحديبية اختلطوا بالمسلمين، وجاءوا إلى المدينة، وذهب المسلمون إلى مكة، وحلُّوا بأهلهم وأصدقائهم وغيرهم ممن يستنصحونهم، وسمعوا منهم أحوال النبي صلى الله عليه وسلم مفصلة بجزئياتها، ومعجزاته الظاهرة وأعلام نبوته المتظاهرة، وحُسن سيرته وجميل طريقته، وعاينوا بأنفسهم كثيرا من ذلك. فمالت نفوسهم إلى الإيمان، حتى بادر خلق منهم إلى الإسلام قبل فتح مكة، فأسلموا بين صلح الحديبية وفتح مكة، وازداد الآخرون ميلا إلى الإسلام. فلما كان يوم الفتح أسلموا كلهم، لما كان قد تمهد لهم من الميل وكانت العرب من غير قريش في البوادي ينتظرون بإسلامهم إسلام قريش. فلما أسلمت قريش أسلمت العرب في البوادي…”[39].

 

هوامش

 

[29] صحيح مسلم، باب استحباب الدعاء بالنصر عند لقاء العدو.

[30] – السلام العالمي والإسلام، ص29 .

[31] – يقصد في تفسيرها على النحو المذكور.

[32] – مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير 5/ 352 .

[33] – التحرير والتنوير 2/ 276 .

[34] – وانظر مزيدا من الأدلة على التوجه الإسلامي السلمي، عند شيخنا العلامة يوسف القرضاوي، في الفصل الأول من الباب الرابع، من كتابه الجليل (فقه الجهاد)، المجلد الأول، ص 413 وما بعدها.

[35] – السيرة النبوية لعبد الملك ابن هشام 1/ 501.

[36] – أما تفاصيله ودراستها رواية ودراية وتمييزُ درجاتها من حيث الصحة والضعف، فيمكن الرجوع فيها إلى:

– كتاب الدكتور أكرم ضياء العمري (السِّيرة النبويَّة الصحيحة محاولة لتطبيق قواعد المحدّثين في نقد روايات السِّيرة النبويَّة) .

– وكتاب الشيخ إبراهيم العلي (صحيح السيرة النبوية).

[37] – صحيح البخاري، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط.

[38] – السيرة النبوية، من (البداية والنهاية) لابن كثير (3/ 324).

[39] – صحيح مسلم بشرح النووي 12/ 140 .

د. أحمد الريسوني

من د. أحمد الريسوني

فقيه مقاصدى ومفكر مغربى أستاذ أصول الفقه مقاصد الشريعة بجامعة قطر، والرئيس السابق للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.