مَن كان معتادًا على زيارة الحبيب والسلامِ عليه في مثواه الشريف، ينبغي عليه أن يتعاهد قلبَه في أثر تلك الزيارات، وأن لا يَذْهَبَ الإلفُ واعتيادُ الأمرِ بما ينبغي حضورُه من المشاعر في ذلك الموقف الجليل.

يَجْمُل بالإنسان أن يستمدَّ لقلبه من روافدَ شتى، مستشعرًا جلالة النعمة التي يرفُلُ في أثوابها، وكيف يَسَّرَ اللهُ له قربَ الجوارِ ودوامَ التردد على تلك البقعة المباركة.

دموعُ ذلك الرجلِ الهندي، أو الباكستاني، الذي يعْثُرُ في ستينيات عمره أو سبعينيات دهره، يراوح الخطى بين الدنيا وبين دار القرار، وُلدَ بين أبوين مسلمين، في ديار نائية عن موطن الحبيب الأعظم ، نشأ ذاك الرجلُ وكبِرَ واسمُ محمدٍ يطرقُ مسمعيْه ليلَ نهار، يصلي الفرائض اتباعا له، يصوم رمضان اقتداء به، يتصدق، ويفعل من الخير ما يطيق، ويجتنب من الشر ما استطاع، يمنِّي النفسَ بلقيا حبيبه على بُعدِ المسافات وظلف العيش وضيق ذات اليد، يضع القرش على القرش سنين عددا، يكتب اللهُ له الفوزَ بتلبية نداء الخليل عليه الصلاة والسلام، تحمله الطائرةُ على أجنحة من الشوق والهيام، يبلغ الوجهة الميمونة المشرفة، يسعى حثيثًا لدخول باب السلام، حتى يقفَ أمامَ الحجرةِ الشريفة، فإذا عصارةُ أعوامه الستين أو السبعين، من الدموع ولواعج الشوق وكوامن الحب، تنهمر دفعةً واحدةً، تراه إلى جانبك  وكأنما هو طفلٌ من شدة البكاء والنحيب، هذه اللحظة اليسيرةُ المدةِ قد احتشدَ لها هذا الرجلُ المسكين دهرَهُ كلَّه.. اعتبِرْ حالَكَ بحاله، واجعل نفسكَ مكانه، ثم ادخل إلى ذلك الموضع بقلبٍ غير الذي تدخل به كل مرة.

في ليلتي هذه وقد أفضَلَ المولى عليَّ وأكرمني بزيارة حبيبه والسلام عليه والدعاء لأحبابي عنده، خرجتُ منصرفًا، فتقافزتْ كلماتُ الزوار إلى مسمعيَّ لا أملك منعَها، هنا رجلان يقول أحدهما لصاحبه وهو في زهوة من الفرح والسرور لا يحيط بها الكلام: “شعور ما يوصَف”، فإذا أنا أقول له بغير تفكير: هنيالكم!

وذلك الحاجُّ المصريُّ -أظنه كذلك-، وقد أشفى على السبعين أو نافَ عليها، خرج من هنالك ولسانُه يلهج بالحمد لله.. «الحمد لله اللي نوَّلنا»، فالتفتُّ إليه ودعوتُ له بالقبول من تلقاء نفسي.

هؤلاء وأشباههم، يستمدُّ الإنسانُ لقلبه من ألفاظهم وشعورهم، كي يخلع عن قلبه غشاوة الإلف والاعتياد لهذا الموقف العظيم.

وشيءٌ هو أدَقُّ من ذلك، أخذ بفكري الليلةَ وأنا أحادثُ نفسي بهذه الخواطر، وهو أن مِن محركات الشعورِ بجلالةِ هذه اللحظة وجمالها، ومما يفرِضُ على القلبِ دوامَ الاشتياق لزيارة سيد الأنام والسلام عليه، أن الواحدَ منا لمْ يحظَ بلقيا سيدنا وحبيبنا رأيَ العين، فلو أن الواحدَ منا كان في جوارِ منزله وقبرِه طوَال عمره، لكان حقيقًا ألا ينقطع الحنينُ من فؤاده طرفة عين.. لقد وجدتُني أقول لنفسي إن النبي حيٌّ في قبره، واستشعارُ هذا قد يخفف شيئا من تلك اللوعة التي يجدها المرءُ لعدم لقائه، ولعل رؤيا المنام لها ذلك الصنيعُ أيضا، ثم رددتُ على نفسي بأنه وإن كان حيا، فليس مَن جاوَرَ منزلَه ومثواه، كمَن رآه وصحبه، وأينَ الرؤيا العابرةُ التي تقع في نومة، ممن رآه عيانا وسمعه كفاحا، وخرج معه وسامَرَه، وجاهد تحت لوائه، وعاش في كنفه ، فبينما أنا ونفسي في ذلك الحديث، سلكَتْ دمعةٌ سبيلَها على خدي، وأخذ لساني يتمتم ضارعا لله: اللهم إن كنتَ حرمتَنا حظَّنا من لقاء سيدنا محمد في الدنيا، فلا تحرمنا حظنا منه في الآخرة!.

من د. أنس الرهوان

طبيب، كاتب وباحث