د. جمال نصار

الأخلاق تسري في كيان الإسلام كله، وفي تعاليمه فهي عبارة عن المبادئ والقواعد المنظمة للسلوك الإنساني،

والتي يحددها الوحي لتنظيم حياة الإنسان على نحو يحقق الغاية من وجوده في هذا العالم على الوجه الأكمل والأتم،

فالأخلاق لها ارتباط وثيق بعقيدة المسلم، وعباداته، ومعاملاته،

وتدخل في مجال السياسة والاقتصاد،

ولا تنفك عنه في كل مناحي الحياة، ويجب أن تكون، حتى يحيا حياة سعيدة في الدنيا، وينال رضا الله، عز وجل، في الآخرة.

 

الإيمان والأخلاق

 

العقائد الإسلامية أساسها التوحيد، وضده الشرك.

 

وهنا نجد الإسلام يُضفي على التوحيد صبغة خلقية، فيعتبره من باب «العدل»، وهو فضيلة خلقية،

كما يعتبر الشرك من باب «الظلم»، وهو رذيلة خلقية {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}،

وذلك لأنه وضْع للعبادة في غير موضعها، وتوجه بها إلى من لا يستحقها.بل اعتبر القرآن الكفر بكل أنواعه ظلمًا،

كما قال تعالى:

{وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ}.

والإيمان الإسلامي حين يتكامل ويؤتي أكله، يتجسد في فضائل أخلاقية فاضت بها آيات القرآن، وأحاديث الرسول، صلى الله عليه وسلم.

 

نقرأ في القرآن مثل قوله تعالى:

 

{قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ

وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ

فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ العَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لآمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ}.

وقوله تعالى:

{إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقاًّ}.

وقوله تعالى:

{إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}.

 

والأحاديث النبوية كذلك تربط الفضائل الأخلاقية بالإيمان، وتجعلها من لوازمه وثمراته:

«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه،

ومن كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فليحفظ جاره،

ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو لصمت».

 

«الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان».

«لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن».

 

العبادات والأخلاق

 

العبادات الإسلامية الكبرى ذات أهداف أخلاقية واضحة، فالصلاة، وهي العبادة اليومية في حياة المسلم، لها وظيفة مرموقة في تكوين الوازع الذاتي، وتربية الضمير الديني،

قال تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ}.

والصلاة كذلك مدد أخلاقي للمسلم يستعين به في مواجهة متاعب الحياة،

قال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بْالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ}.

 

والصلاة لا تبلغ درجة القبول عند الله حتى تنهي صاحبها عن الرذائل الأخلاقية،

«من صلي صلاة لم تنهه عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدًا»،

«فالإبعاد عن الرذائل والتطهير من سوء العمل، هو حقيقة الصلاة».

والزكاة، وهي العبادة التي قرنها القرآن بالصلاة ليست مجرد ضريبة مالية تؤخذ من الأغنياء،

لترد على الفقراء، إنها وسيلة تطهير وتزكية في عالم الأخلاق، كما أنها وسيلة تحصيل وتنمية في عالم الأموال،

قال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا}.

فتنظيف النفس من أدران النقص، والتسامي بالمجتمع إلي مستوي أنبل هو الحكمة الأولي من الزكاة.

 

«والقرآن حين يربي المجتمع على هذا التجرد من حب المال يرسم خطة محكمة تحاصر النفس من كل جوانبها،

فإذا بها سخية لينة كريمة معطية، تدفع وتبذل بكل ما تستطيع في السر والعلن لا تخشى من ذي العرش إقلالا».

 

الصيام في الإسلام

 

والصيام في الإسلام، إنما يقصد به تدريب النفس على الكف عن شهواتها، والثورة على مألوفاتها.

وبعبارة أخري إنه يهيئ النفس للتقوى وهي جماع الأخلاق الإسلامية،

قال تعالي: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.

 

«فالصوم يورث التقوى لما فيه من انكسار الشهوة وانقماع الهوى،

فإنه يردع عن الأشَر والبطَر والفواحش، ويهون لذات الدنيا ورياستها، وذلك لأن الصوم يكسر شهوة البطن والفرج».

 

«وليست التقوى هو ذلكم اللون الشاحب، أو الصوت الخافت أو الرقبة المنحنية ولا هي المهمهة بكلمات تعرف التسبيح والتهليل…

وإنما التقوى ذات عنصر سلبي يمنع من فعل الشر للنفس وللغير،

ولهذه التقوى التي لا يعرف القرآن سواها فرض الله الصوم وجعله مددًا للإيمان،

وبها كان الصوم عنصرًا قويًا من عناصر تكوين المجتمع في نظر الإسلام ومنهجه».

 

الحج في الإسلام

 

والحج في الإسلام تدريب للمسلم على التطهير والتجرد والدفع عن زخارف الحياة وترفها،

وأوصى الله قاصد الحج بأن يكف لسانه عن الفحش والجدال، وسوء المقال، وأمر بالتقوى التي هي غاية الأخلاق قال تعالي:

 

 

هذا العرض المجمل لبعض العبادات التي اشتهر بها الإسلام وعرفت على أنها أركانه الأصيلة،

نستبين منه متانة الأواصر التي تربط الدين بالخُلق. إنها عبادات متباينة في جوهرها ومظهرها ولكنها تلتقي في غاية واحدة،

فالصلاة والصيام، والزكاة، والحج، هي مدارج الكمال المنشود، وروافد التطهر الذي يصون الحياة ويعلي شأنها.

 

وهذه العبادات تقوم على

«تحقيق معنى العبودية لله، بالإخلاص في طاعته والتوجه إليه وحده والاستعانة به وحده، والتخلص من سلطان الحظوظ البشرية المظلمة».

 

المعاملات في الإسلام

 

لم تكن المعاملات في الإسلام بعيدة عن ملاحظة الجانب الأخلاقي، ولذلك كان من وصايا الرسول، صلى الله عليه وسلم،

ما ينص على السماحة في البيع والشراء، واستيفاء الحقوق «رحم الله رجلا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى».

 

وكان من وصاياه، صلى الله عليه وسلم، الوصية بمراقبة الله، عز وجل، في الشركة حتى تتنزل بركة الله على الشركاء،

وكان من وصاياه النهي عن الغش وتطفيف الكيل والميزان لما يؤديان إليه من مظالم ولما يدلان عليه من قلة الورع وقلة مراقبة الله، عز وجل، وعدم الحذر من عقابه،

امتثالا لقول الله تعالى: {وَأَوْفُوا الكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ المُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}.    

 

وصايا في الزواج

 

وكان من وصاياه في الزواج الحرص على ذات الدين معللا ذلك بما يتحقق للزوجة الصالحة من كريم الأخلاق مع زوجها

«نكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، وجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك».

 

ثم كان من عناية الإسلام بالأخلاق أنه دعا إلى أن يتواصى الناس بالحق وإلى أن يكون من بينهم

{أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ}،

وجعل ذلك من خصائص الأمة المستخلفة من الله، البالغة في مرضاة الله أرفع المقامات

{كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}. 

 

ثم تأتي الحدود لتمثل عنصر الردع للذين يخرجون عن عقائد الدين، وقيمه وشرائعه، ولتكون سياجًا يحمي أهل الحق من أهل الباطل،

ولتحفظ على الناس دينهم وأخلاقهم وأعراضهم وأموالهم.

 

وهكذا تتغلغل الأخلاق في بناء الإسلام كله،

ولذلك كان طبيعيًا أن ترتبط درجة الأخلاق بدرجة الإيمان، فكلما تأصل الإيمان في القلب ورسخ فيه تأصلت الأخلاق ورسخت.

 

ولذلك كان طبيعيًا، أيضًا، أن ينفي الله الإيمان بالدين عن من يقعون في بعض الرذائل لأن مقتضى الدين البعد عنها قال تعالى:

{أَرَأَيْتَ الَّذِي يكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ المِسْكِينِ}

وكذلك فعل الرسول، صلى الله عليه وسلم، حين قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له».

وعلى هذا نستطيع أن نقول إن الإسلام ليس عقيدة قلبية فحسب،

ولكنه نظام يتضمن جميع قوانين المجتمع، إنه عقيدة وعبادة وأخلاق، كما أنه تشريع ونظام للمجتمع،

ومبادئ عن الاتجاه العام للدولة، بحيث تكون في إطار الوحي. أمة تسلم نفسها لله سبحانه، محكمة كتابه، وسنة نبيه.

 

الأخلاق ترتبط بالمجتمع

 

والأخلاق في الإسلام ترتبط بالمجتمع ارتباطًا وثيقًا، وتمثل القاسم المشترك لكل روافده من سياسة واقتصاد وأدب وعلم وتربية.

وقد جمع الإسلام بين السلوك والخلق في مختلف المجالات، وبين الدنيا والآخرة، ومقياسها هو التقوى.

التقوى بمعني الاتقاء، والترك للانحراف في الاعتقاد والسلوك والعمل بمعني الحركة والإضافة.

 

ارتباط الاقتصاد الإسلامي بالأخلاق

 

الأخلاق الإسلامية لها مجالها وعملها في شئون المال والاقتصاد، سواء في ميدان الإنتاج، أو التداول، أو التوزيع، أو الاستهلاك. فليس للاقتصاد أن ينطلق ـكما يشاءـ بلا حدود ولا قيود، دون ارتباط بقيم، ولا تقيد بمثل عليا، كما هي دعوة بعض الاقتصاديين للفصل بين الاقتصاد والأخلاق،

وليس للمسلم أن ينتج ما يشاء ولو كان ضار بالناس ماديًا ومعنويًا، وإن كان لا يستطيع أن يحصل هو من وراء هذا الإنتاج أعظم الأرباح، وأكبر المنافع .

وكما ورد في الحديث الشريف: «لا ضرر ولا ضرار».

 

وليس للمسلم، في ميدان التداول، أن يتخذ بيع الخمر أو الخنزير أو الميتة أو الأصنام تجارة،

أو يبيع شيئًا لمن يعلم أنه يستعمله في شر أو فساد أو إضرار بالآخرين. كالذي يبيع عصير العنب أو العنب نفسه ممن يعلم أنه يتخذه خمرًا،

أو يبيع السلاح ممن يعلم أنه يقتل به بريئًا، أو يستخدمه في ظلم وعدوان، وفي الحديث: (إن الله عز وجل إذا حرم أكل شئ حرم ثمنه).

 

المسلم لا يحتكر

 

وليس للمسلم أن يحتكر الطعام ونحوه مما يحتاج إليه الناس رغبة في أن يبيعه بأضعاف ثمنه، وفي الحديث الصحيح (لا يحتكر إلا خاطئ)،

أي آثم كما قال تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ}.

وليس للتاجر المسلم أن يخفي مساوئ سلعته وعيوبها، ويبرز محاسنها، على طريقة الدعاية الإعلامية المعاصرة،

وهذا غش وخداع يبرئ منه الإسلام ورسوله (ليس منا من غش).

 

وفي مجال التوزيع والتملك، لا يجوز للمسلم أن يتملك ثروة من طريق خبيث، ولا يحل له أن يأخذ ما ليس له بحق لا بالعدوان ولا بالحيلة.

وكما لا يحل للمسلم الملك بطريق خبيث، لا يحل له تنمية ملكه بطريق خبيث كذلك.

 

حرم الله الربا والميسر

 

لهذا حرم الله الربا والميسر، وأكل أموال الناس بالباطل، والظلم بكل صوره، والضرر والضرار بكل ألوانه،

قال تعالى:

{وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}

{يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تفْلِحُونَ}

{وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِل}.    

 

وفي مجال الاستهلاك، لم يدع الإسلام للإنسان حبله على غاربه، ينفق كيف يشاء، ولو آذى نفسه أو أسرته أو أمته. بل قيده بالاعتدال والتوسط فقال تعالى:

{وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كلَّ البَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً وَكلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يحِبُّ المسْرِفِينَ}،

وحمل على الترف والمترفين، وحرم على ما هو من مظاهر الترف مثل أواني الذهب والفضة، فحرمها على الرجال والنساء جميعًا، كما حرم على الرجال لبس الذهب والحرير.

 

وبهذا تميز الاقتصاد الإسلامي بهذه الخصيصة العظيمة من خصائصه، أنه اقتصاد أخلاقي.

من د. جمال نصار

باحث وكاتب صحفي، مصري