نشر أحد الناشرين -الله أعلم بحاله ومقصده، عفا الله عنا وعنه- كلاما مفاده أننا أمة (تريد التغلب عن أزمة المياه عن طريق صلاة الاستسقاء! وتريد التغلب عن أعدائها عن طريق الدعاء في المنابر!)

وظاهر الكلام -والله أعلم- يعبر عن حرقة عن حال الأمة، ومحاولة لعلاج تطرف حاصل. وليس بالضرورة يقصد ما يقصده العلمانيون.

لكن الأسلوب والاختصار -وليس القصد والله أعلم-  جعل الكلام خطيرا، يوهم معنى خطيرا، وهو الاستهتار بشعائر الله الذي هو شأن من لا يؤمن بالله واليوم الآخر، وأنا أبرئ أخانا الناشر من ذلك، وأعوذ بالله من أن أتهمه بذلك، ولكن ظاهرة الاستهزاء بشعائر الله صارت شائعة بسبب خطاب العلمانيين الذين كثيرٌ منهم  لا يؤمنون بالله واليوم الآخر حقا وصدقا،  وصِرتُ أخاف من أن يشمل قولُه تعالى {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُون} بعض من تأثر بخطابهم من ضحاياهم، وهو ليس منهم؛ لأنه لا يرضى أن يخالف إسلامه وإيمانه، ولو دفع الدنيا كلها ثمنا لذلك، لكن الشبهة جعلته يستهين بذلك، وقد يردد كلامهم دون انتباه إلى أثر ذلك، الذي قد يصل إلى الخروج من الملة والعياذ بالله.

ومما يؤسف له أن بعض الأفاضل تأثروا بكلام بعض كبار الدعاة المحبوبين في علاج بعض التطرفات بحكمته ونَفَسه المعروف، وجرّدوه عن سياقه، فتطابق بعضه -بسبب ذللك- مع خطاب العلمانيين بنسبة كبيرة، فازدادت الفتنة بخطابهم انتشارا وتأثيرا عند من لا يميز بين الأمانة والخيانة، والعياذ بالله.

فكان أن علَّقت على المنشور المثير -نصحاً لأخينا وبيانا لهذا الأمر الخطير ونفعا للمتابعين-، فقلتُ:

يقال لمن يستعمل هذه الأساليب التي فيها طعن ظاهر في قربات ربانية ثابتة، (وليست اجتهادا يُصيب ويُخطئ)وإن لم يقصد صاحبها ذلك (كما يفرض علينا حسن الظن بعباد الله)

يقال لهم: نحن نصلي الاستسقاء -والحمد لله-  أدبا مع الله؛ لأن أمر الكون كلّه بيده هو، وهو الذي أرشدنا إلى هذا الطريق لنزول المطر، ولم يأمرنا بترك السعي لحل الأزمات دون ذلك، ونحن ننتظر فضله، وإن كان فضله لم يتوقف، ولم ينقطع. ولن ينقطع إن شاء الله، ونرجو أن نكون من الشاكرين.

ولكن السؤال: ماذا فعل من يتبنى هذا الكلام لحل أزمة المياه! غير الطعن في شعائر الله، وجدوى ما يقرّبنا إلى الله؟!

فنحن ننتظر، وأخشى أن يطول انتظارنا ولا ينقطع.إلى قيام الساعة!

ثم قلتُ:

ونحن ندعو على منابرنا تقرُّبا إلى الله، كما أمر الله، وهو وعدَنا بأن  يستجيب -لامحالة- ولكن كما يريد، لا كما نريد، ونحن متعلقون بفضل الله، ولن يخيبنا الله، لأنه هو الذي شرع الدعاء لعباد الله، مع غيره من الأسباب التي أمر بها الله؛ ليتحقق أمر الله، ولم يشرعها لتُعبد من دون الله، كما هو مقرر في دين الله.

ونقول لمَن يتبنى هذا الكلام، هل فعلت شيئا للتغلب على أعداء الله؟ غير الطعن في جهود أولياء الله؟!

نحن ننتظر جهودكم، ونخشى أن يطول انتظارنا إلى قيام الساعة!

ولا حول ولا قوة إلا بالله.

فلينتبه إخواننا الأفاضل إلى أن مثل هذا الكلام لا يصح، ومثل هذا الأسلوب لا يليق، -يرحمكم الله- وذلك للأثر السيئ الذي قد يترتب عليه مما هم عنه غافلون، ومما لا يقصدونه ولا يرضونه؛ لأن المفروض أنهم  مسلمون والحمد لله. وفيه من الخدمة للصادين عن سبيل الله ما فيه.

أما من باع دينه وعقله وشرفَ أمتِه لضُلَّال الأمم وشُذّاذ الآفاق، واشترى رضى الناس بسخط الله، وصار يستهزئ بشعائر الله؛ إرضاءً لأعداء الله، والعياذ بالله، فقد لا ينفعه هذا الكلام، وأمره إلى الله, ولله الأمر من قبل ومن بعد.

د. عبد الحليم قابة

من د. عبد الحليم قابة

كاتب وباحث جزائري. أستاذ بجامعة الجزائر سابقا وبجامعة أم القرى حاليا