د. علي السباعي

لا يشك عاقل بأنّ واقع أمة الإسلام عموما، والواقع الليبي خصوصا، معقد جدا،

وقد مرّت بليبيا منذ اندلاع ثورة 17 فبراير في 2011م نوازل وأحداث معقدة جدا، ترتب عليها قتل، وهدم، وتهجير، وتدمير مُدن وقرى بأكلمها.

والمتأمل العاقل لا يجد عناء في معرفة أنّ ليبيا ليست بمنأى عن العالم أو المجتمع الدولي،

وبناء على ما تقدم، كل من يتناول الحديث في الشأن العام، عليه أن يضع نصب عينيه قضية المجتمع الدولي أو “الشرعية الدولية”.

كيف نتعامل معها؟ هل نتماهى معها؟ أم نناصبها العداء؟ أم هناك موقف ثالث؟

مثل هذا الموضوع يجب أن تنصب الجهود الفكرية للإجابة عن إشكالاته، قبل الخوض في الحروب والدماء.

وإنّ المتأمل في واقع الناس اليوم، سيجد أنّهم قد اتخذوا مواقف متباينة جدا في هذه القضية،

وترتب على ذلك اتهام بالخيانة والعمالة والكفر أحيانا!.

وقبل الخوض في مواقف الناس من الشرعية الدولية،

لابد من لمحة عنها، حقيقتها، وتأثيرها على الشعوب والدول، وطرق سيطرتها على الشعوب.

 

الشرعية الدولية:

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وهزيمة قوات المحور،

انفرد الحلفاء بالعالم، وهيمن المنتصرون على مصير الشعوب المهزومة،

بعد أن دفعوا ملايين البشر قربانا لهذا النصر، وهنا برز للعالم ما يُعرف بـ “النظام العالمي الجديد” الذي تهيمن عليه الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن،

والتي لها وحدها حق النقض = الفيتو. وهي “امريكا، بريطانيا، فرنسا، روسيا، والصين”.

هذا مجملا ما يُعرف بالشرعية الدولية، بغض النظر عن التفاوت الذي بينهم في القوة والهيمنة، فتأتي أمريكا على رأس هؤلاء الخمس الكبار.

فبلدان العالم اليوم لا تملك سيادة محلية وطنية، وحسبك أن تعلم أنّ دولا، كاليابان وإيطاليا وألمانيا ونحوهم لا يخرجون عن هيمنة الشرعية الدولية = الحلفاء الخمس، فكيف بليبيا ومصر و”السعودية” ونحو ذلك؟.

فالمعارك اليوم ليست كالمعارك بالأمس، والحروب التي وقعت قبل ما يُعرف بالنظام العالمي الجديد، تختلف اختلافا جذريا عن الحروب التي بعده.

حيث كانت الحروب تقع بين بلدة وأخرى، أو قبيلة وأخرى، أو حتى امبراطورية وأخرى، أما اليوم، فإنّ النظام العالمي أو الشرعية الدولية،

قد بسط سيطرته على الشعوب عموما، والشعوب الإسلامية خصوصا، واستطاع الهيمنة علينا سياسيا وعسكريا واقتصاديا، بل حتى دينيّا!،

فلا يُسمح بالتدين إلا بالتدين الذي تسمح به المنظومة الدولية، فالذي يجري في ليبيا من اقتتال،

ليس بين مجموعة من المقاتلين وخصومهم بعيدا عن المجتمع الدولي ومنظومته.

أما الطرق والأساليب التي يستخذمها المجتمع الدولي للهيمنة والسيطرة على الشعوب فهي لا تكاد تُحصى،

عبر الأنظمة الوظيفية، والدساتير، والإعلام، والجيوش، والقبائل، والبنك المركزي، والمؤسسات السيادية،

ويمنحك الشرعية أو ينزعها عنك، ونحو ذلك.

وللحديث بقية إن شاء الله.

من د. علي السباعي

كاتب وباحث أكاديمي ليبي