فيما يخص الطرقية أريد أن أخص الحديث عن النموذج الجزائري حصريًا.

منذ أن دخل الإسلام للجزائر وهي تعيش في أمن وأمان ووحدة لم يعرف لها مثل، وبقيت الحال على ما هي عليه، وكان الغالب على المجتمع الجزائري أنهم كانوا مالكية المذهب ولم يعرفوا غيره، بل وكانوا متشددين في ذلك حتى لما دخل الأتراك للجزائر في القرن السادس عشر ميلادي بطلب من الحاكم الجزائري، وذلك لما كثرت الغارات على الإسبانية والفرنسية على الأسطول الجزائري، ولما دخل الأتراك وبعد أن صاروا حكاما على الجزائر وبصفتهم أحناف فكانت كل القرارات الأميرية التي تصدر وفق المذهب الحنفي إلا أنهم لم يفرضوا المذهب الحنفي على الشعب الجزائري، وذلك لشدة تعلق الجزائريين بهذا المذهب، وكان السائد ما ترويه كتب التاريخ، وسند الأمة المتصل هو المذهب الأشعري، ومع بعض الطرق مثل القادرية والشاذلية وغيرها.

حتى لما دخل الاستعمار الفرنسي للجزائر سنة 1830م، وبعد استسلام الحكومة وتوقيعها وثيقة الانهزام مع قوات المحتل، لم ترض هذه الطرق بالأمر الواقع وراحت تحارب المحتل بكل ضراوة، فظهرت ثورات في كل ربوع التراب الجزائري، فكانت ثورة الأمير عبد القادر في الغرب الجزائري، وثورة أحمد باي في قسنطينة شرق الجزائر، كما كانت ثورة لالة (سيدتي) نسومر في منطقة القبائل شمال الجزائر، وكانت ثورات في الجنوب الجزائري مثل ثورة الشيخ بوعمامة والزعاطشة، وثورة أولاد سيدي الشيخ، هذا ما جعل فرنسا تحتاج إلى أكثر من سبعين سنة لتفرض سيطرتها على الجزائر، ولم تتمكن من ذلك إلا بعد أن جاء محمد عبده واجتمع بشيوخ الطرق وأقنعهم بأن الاستعمار بلاء من الله، ولا بد من تغير طريقة محاربته ومجابهته إلى التعبد والرجوع إلى الله عز وجل، ومن هنا بدأ غزو فكر جديد، احتاجت الجزائر إلى الكثير لكي تتخلص منه وذلك بعد أن سخر المصلحان الكبيران جل حياتها لتوعية الشعب الجزائري وإخراجه من هذا الوهم الذي غرسه المستعمر في نفوس الجزائريين.

ولم يتمكن العلامة ابن باديس والعلامة الإبراهيمي من القضاء على تلك الأفكار إلا بأفكار مغايرة لتلك الفكرة.

فكانت من الأفكار التي روج لها المستعمر بعد أن بسط سيطرته على الجزائر، بأن جعل شيوخا وادعوا بأنهم شيوخ طرق كذا وزورا، ولا يجوز للمريد أن يخرج عن طَرِيقَةِ شَيْخِه، وبهذا استراح المستعمر ردحا طويلا في أرض الجزائر، وراح يروج لكل ما يريد عبر هؤلاء الشيوخ الأدعياء.

من عنتر فرحات

كاتب وباحث في الشئون الإسلامية