كارم عبد الغفار

♦ أكثر الغاضبين من الشاب الذي سخر من مذيعي «إذاعة القرآن الكريم» المصرية، لم يكن غرضهم الدفاع عن الإذاعة ولم يقصدوا ذلك، فقط اندفعوا نفسيًّا لحماية رمزيتها، فهذه الهيئة (شئنا أم أبينا) التصقت باسم كتاب الله منذ عشرات السنين واستضافت شبكتها أروع أصوات المقرئين، وهذا كاف ليثير استنفارًا مقدرًا ضد المذكور، بل حتى تنغيمات كثير من مذيعيها ومقدميها المتقعرة الغريبة على آذان المصريين، تعايشت معها أجيال من العوام والشعبيين، واعتبروا تلك الطرق في الأداء علمًا على الإذاعة التي تفتح لهم بابًا سهلًا للقرآن الكريم وتفسيره بصرف النظر عن الحواشي التي تسبق ذلك أو تليه.. لكن..

 

♦ لكن، استثمارًا لفرصة النقاش المطروح، وللصراحة كثيرًا ما سخرتُ من طرق التقديم المكررة الباهتة ومن نبرات المذيعين الذين صاروا موظفين، ومن الشخصيات المستضافة باستمرار التي تستشعر أنها “لابدة” في الإذاعة للفتوى والإفتاء لعشرات السنين كأنها مصلحة حكومية اشتراكية، حتى صارت كثيرًا من الفتاوى جامدة باردة معلبة، حتى في طريقة أداء الفتوى تستشعر في غالب المستفتين أن جهازًا إلكترونيًّا يتحدث وليس فقيهًا من دم وروح.

 

♦ وأذكر أن أحد الضيوف الدائمين على الإذاعة كان أستاذًا لي في دار العلوم، ومع التقدير لشخصه، كان غالب الطلاب يدركون أنه أضعف رجال قسمه وأقلهم حضورًا، بل حتى لغته العربية ثقيلة بها أعطال كثيرة، لكن لغرض لم نفهمه حينها وحتى الآن ظل ممسكًا بميكرفون الإذاعة وضيفًا دائمًا للاستفتاء.

 

♦ وأذكر ونحن صغارًا أثناء جمعنا القطن في الغيط القبلي بعزبة صادق، ومعنا جهاز راديو ترانزستور صغير، تنعشنا طريقة إيناس جوهر وزملائها في الشرق الأوسط، التي تشعرك أنها بالفعل استيقظت معك مبكرًا وطسّت وجهها بجردل ماء، وأفاقت وانتعشت وذهبت إلى الميكروفون لتفيق الناس، ثم أجد كثيرًا من طيبي وطيبات إذاعة القرآن حافظين وحافظات بتنغيمات مكرورة كسولة لحد النعاس أو جهورية كإعلان حرب، وكأن الفصاحة وهيبة الإذاعة تقتضي إما الخمول أو الاستنفار، وكانت اللحظة الأفضل عندما يسكت المذيعون ويفسحون المجال لمضامين فتاوى البريد أو قراءة الشيخ رفعت، وهذا انطباع شخصي.

 

♦ مثل إذاعتنا الطيبة، هناك حقول كثيرة في حياتنا المعرفية والدينية لها رمزية ضخمة في قلوبنا، ليس لذاتها بل لتعلقها بمقدس آخر ككتاب الله وشخص الرسول صلى الله عليه وسلم والدين، ومن هذه الحقول الفتاوى القديمة وكتب المتون وركام التراث والشخصيات التاريخية والدول الإسلامية وأفكارنا الخاصة، هذه الحقول رغم ما فيها من الخير الكثير الذي يستحق التسمك والدفاع، تحمل أيضًا مئات الورطات، بل إن الأشياء الجميلة قديمًا تتحول مع تقدم الوقت وتغير النظر والأفكار إلى عادية ثم إلى باهتة ثم إلى أخطاء وخطايا.

 

♦ وبظني أنه من الحكمة والرشاد أن نعيد باستمرار النظر في “التكلسات” القديمة؛ فنفكك الجيد منها ونعيد تقديمه في صورة بهية جميلة، أو يسبق المحبون المنتمون إلى كشف سيئها ثم إزاحته قبل أن ينبش فيها النابشون وتسبقنا إليها سخرية الساخرين.

كارم عبد الغفار

من كارم عبد الغفار

عضو اتحاد الكتاب المصري، باحث في التاريخ