كارم عبد الغفار

♦ في مقطوعة أدبية بديعة يصف «يحيى حقي» فريقًا ما: «كل فرد فيه ضائع في المجموع لا يُعرف بشخصه، «قائد ونوتة»

كذلك ذاب الفرق في السن، شبابه المتوثب الحديث العهد بالانضمام إليه،

وشيوخه المكحكحين الذين أفنوا عمرهم في مد عمره،

كان قلبي يرق لهذه الزمالة البديعة التي ألفت بين الشتات على المساواة والانسجام والإخلاص للقطيع،

ولكن كل حزازة مكتومة في القلب إذا جد الجد وجاء العمل، هيهات أن يُسمح لها بأن تفسد الجهد المشترك،

هيهات أن تعطب الثمرة، نسوا جميعًا كل شيء،

إلا أن يجيد كل فرد دوره، وحده ومع غيره،

لا مجال هنا للمقالب وحَفر الحُفر،

قبلوا جميعًا محوا أشخاصهم من أجل ألا يبقى إلا شخص واحد، هو الطاقم،

ينمحون هم ليُذكر هو وحده، يفنون هم ليتجدد هو ويبقى،

إن كان لواحد منهم فخر فليس لإجادته العزف بل لانتسابه إلى هذا الطاقم…

بذل كل عازف غاية جهده، كأن حياته معلقة بحسن ضبطه ولو لنقرة واحدة من أصبعة لوتر تجيء في زمانها،

وتجيء كما هي مرسومة في (النوتة) وكما يراها (القائد)»..

«نوتة» و«قائد»

♦ تلك الروح البهية التي وصفها الأستاذ «حقي» أعلاه عن العازفين العاشقين المتيمين برسالتهم وطاقمهم، أوكلها في النهاية إلى «نوتة» و«قائد»،

نوتة مرسوم فيها مشروع العزف، أو على الأقل درجاته العريضة، توحي بالاطمئنان للقادم أو على الأقل تحمل تصورًا واضحًا عما ينبغي فعله،

وقائد يحمل صولجانًا صغيرًا للإشارة والإرشاد وترتيب التنغيم والتحذير من مطبات الأوتار؛ فيكتمل الأنس وينجز الطاقم مهمته على أكمل حال.

 

♦ لكن كيف يصل قائد الأوركسترا بفرقته إلى هذا البهاء والانسجام في الأداء،

كيف تتحول عصاه القصيرة إلى بؤرة ضوء وهُدى وضابط إيقاع يثق فيه التابع أكثر من النوتة المعلقة بين يديه؟

مهمة شاقة للغاية

♦ إنها مسألة ليست سهلة، إنها مهمة شاقة للغاية تتطلب من القائد أو من قد يدفعه زمانه يومًا لمقام القيادة،

أن يبذل عمرًا في الاستعداد والتحصيل والتدريب ودراسة فنون التواصل وتوسيع الصدر وتطويل الأنفاس،

حتى إذا حان الحين وتصدر للطاقم وللجمهور كانت إشارته فيها الكفاية والأمان والرواء.

كارم عبد الغفار

من كارم عبد الغفار

عضو اتحاد الكتاب المصري، باحث في التاريخ