محمد طارق السامرائي
«الديانةُ الإبراهيميةُ» هُبلٌ جَديدٌ فِيْ جَزيرةِ العَرَبِ

«الديانةُ الإبراهيميةُ» مصطلحٌ يشيرُ إلى اليهوديةِ والنصرانيةِ والإسلامِ،

إذ أنَّ إبراهيمَ عليه السلام هو القاسمُ المشتركُ الجذريُ بينَ الأديانِ الثلاثة؛

لأنَّ اللهَ عز وجلَ اصطفاهُ بالنبوةِ والرسالة،

وخصهُ بخصيصهٍ دونَ غيرهِ من الأنبياءِ والمرسلين، إذْ جعلَ النبوةَ في ذريته، وحصرها في عقبهِ ونسلهِ، قال اللهُ تعالى:

{وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ}. [العنكبوت:27].

فما من نبيٍ بعدَ إبراهيمَ إلا مِنْ نسلِ إبراهيمَ عليه السلام، فَمِنْ ذريةِ يعقوبَ عليه السلام خرج الكثيرُ من أنبياءِ بني إسرائيل،

ومِن ذريةِ إسماعيلَ عليه السلام اصطفى الله نبيهُ محمداً (صلى الله عليه وسلم) ليكونَ خاتمَ النبيينَ والمرسلين،

وعلى إثرِ ذلكَ ظهرتْ عداوةُ اليهودِ للنبيِّ وأتباعهِ، وقامتْ ضغينةُ الحسدِ والحقدِ تجوبُ ديارهم، وتسودُ حظوظَ الشياطينِ في قلوبِ أتباعهم.

{أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا}. [النساء51- 54].

دعونا نقتربْ أكثر من حقيقةِ الأمر، ونبتعدْ عن مراكز صناعةَ الرأيِّ العام: من صحفٍ وقنواتٍ ومراكزَ أبحاثٍ،

لنقفَ على حقيقةِ «الديانةُ الإبراهيميةُ»  ومدى تأثيرَها على واقعِ الأمةِ الإسلاميةِ على وجهِ الخصوص، والعالمِ أجمعَ على وجهِ العموم.

جذورُ «الديانةُ الإبراهيميةُ» وحدودُها:

جذورُ الديانةِ الإبراهيميةِ قديمةٌ متجددةٌ، فقد أطلقها قديماً بعضُ اليهودِ والنصارى، يريدونَ أنْ يتنازلَ المسلمونَ عن أحقيةِ عقيدتِهم،

بأنْ يقبلوا – على الأقل – اعتبارَ أديانِهم أديانَ حقٍ ونجاةٍ في الآخرة، ولكنْ كانَ الجوابُ واضحاً صريحاً في القرآنِ الكريم :

{وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [البقرة:135].

وقبلَ عدوانِ الاحتلالِ الصهيوني على أرضِ فلسطين، ظهر العديدُ من المراكزٍ الإبراهيمية، وهىَ معاهدٌ قائمةُ على اللا ديانة، ومعظَمُها أمريكية،

مثلُ معهدِ بيس أيسلاند، والمجلسِ الدولي للمسيحيينَ واليهود، ولهذينِ المجلسينِ الدورُ الكبيرُ في الدعوة للدولةِ الإبراهيمية،

ويقومُ بتنظيمِ العديدِ من المؤتمراتِ بمشاركةِ الأممِ المتحدةِ للدعوة للحوار، وللتوحيدِ بين الأديانِ الثلاثة،

وبعضُ اجتماعاته تجرى بالعاصمة الألمانية «برلين»، حيثُ يقومونَ بدعوةِ شبابٍ من جميع أنحاء العالم؛

لتدريبهمْ على الدعوةِ للدين الرابع، بزعمِ أنه قادرٌ على نشرِ السلامِ وإنهاءِ الحروبِ.

أما حدودُ الديانةِ الإبراهيميةِ فهي حدودُ الدولةِ اليهوديةِ التي وضعها الكيانُ الغاصب، وخارطتُها من النيلِ إلى الفراتِ،

فهم يحلُمُون بالعودةِ إلى خبيرَ، والرجوعِ إلى المدينةِ النبويةِ المنورة مرةً أخرى!

الداعم لـ«الديانةُ الإبراهيميةُ»:

هناكَ منظمةٌ اسرائيليةٌ تُعرفُ بـ «IEA»، ترى هذهِ المنظمةُ أنَّ الدينَ منَ الممكنِ أنْ يكونَ حلاً لجميعِ الصراعات،

وتضمُ أشخاصًا من جميعِ الديانات، وتحدثُ الناسَ حولَ نبذِ الخلافاتِ والدعوةِ لدولةٍ إبراهيميةٍ يعيشُ الجميعُ فيها بسلام،

وتعملُ بآليةِ تقديمِ المساعداتِ للمحتاجين، وهي الداعمُ الكبيرُ الخَفيُ لمشروعِ الديانةِ الإبراهيمية.

وعلى صعيدٍ عام فقدْ ظَهرَ دعمُ «الديانةُ الإبراهيميةُ» بشكل واضحٍ خلالَ فترةِ حكمِ الرئيسِ السابق “باراك أوباما”،

والذي دعا في عدةِ مناسباتٍ للديانةِ والتوحدِ بين الأديان، وظهرَ ذلكَ جلياً في خطابهِ الذي ألقاه بجامعة القاهرة، والذي قال فيه إنه مسيحيٌ وأبوهُ مسلم،

وجدتهُ كانت تأخذهُ للكنيسة،

وقال إنه لا فرقَ بينَ جميعِ الأديان،

ورأى بعضُ المحللينَ أنه دعا إلى «الديانةُ الإبراهيميةُ» بشكلٍ غيرِ مباشرٍ عندما دعا للتعايشِ بينَ كلِ الأديانِ من أجلِ نشرِ السلام،

أما دعوتهُ المباشرةُ فكانتْ من إسرائيل، عندما زارها في مارس 2013،

وقتها تحدث عن التجرِبة الصهيونيةِ ونجاحها في تكوينِ دولةٍ من اليهودِ من كل أنحاء العالم، دونَ النظرِ لطوائفهم،

وقال: إنها التجرِبةُ الإنسانيةُ العالميةُ بكلِ معانيها، وهي جزءٌ من الديانات الثلاثِ؛

اليهوديةِ والمسيحيةِ والإسلامِ التي ترجعُ إلى إبراهيمَ عليه السلام.

واعتَمد ترامب في منهجهِ على جماعاتِ الدعوة للتعايش والتحررِ من الأديانِ في المجتمعِ اليهوديِ والأمريكي،

ومنها مركزُ «شالوم»، ومنتدى السياسة الإسرائيلية، ومؤسستا «ميرتز يو إى إيه وتيكون»،

وكذلكَ المركزُ الكاثوليكي والأممُ المتحدةُ،

كما كانَ للجمعياتِ الأمريكيةِ الأفريقيةِ دورٌ كبيرٌ في دعمِ دعوتهِ للتخلي عن كلمةِ «صهيونية»، وإحلالِ مصطلحِ «الشعبِ الإسرائيليِ» بدلًا مِنها.

البيتُ الإبراهيميُ يَجمعهم:

شيدت الإماراتُ على أراضيها وتحديداً في جزيرةِ السَعيداتِ بالعاصمةِ أبو ظبي بيت “العائلة الإبراهيمية” ثلاثُ مبانٍ منفصلةٌ، وحديقةٌ رئيسيةٌ خاصةٌ للمجمع، إضافةً إلى مبنىً رابع يعملْ كمتحفٍ ثقافيٍ يجتمعُ فيهِ الأشخاصُ بمختلف انتماءاتهم.

 

مجمعُ العبادةِ يتكونُ من ثلاثةِ أشكالِ هندسيةِ متشابهة: معبدٌ لليهودية، وكنيسةٌ للنصارى، ومسجدٌ للمسلمينِ، وفي كلِ مكانٍ من هذه الأماكنِ ربٌ يعبد، ولك الحريةُ المطلقةُ في طريقةِ عبادتك، وفيه صلاةُ الخميسِ بدلاً من صلاةِ الجمعة!.

 

دمجُ الأديانِ 3×1=1!:

 

الرئيسُ المصريُ الأسبق أنور السادات سبق بفكرةِ الاعترافِ بإسرائيل، وتبني وحدةَ الأديان، لكنَّ الوقتَ والمكانَ لم يسعفاهُ حتى لعنهُ المسلمونَ وقاطعهُ العرب، أما اليومَ فيبدو أنَّ الوقتَ في صالحِ أصحابِ مثلِ هكذا مشاريع.

 

مجمعُ الأديانِ هو المِظلةُ التي تذوبُ تحتها الخلافات، والسقفُ الذي تتعانقُ تحتهُ الديانات، من خلالِ تنقيةِ الكتبِ المقدسةِ والنصوصِ من كل شيءٍ يخالفُ الدينَ الجديد، لِيُنتَقى من هذهِ الكتب كلها كتابٌ جديدٌ يكونُ بمثابةِ مرجعٍ وحيدٍ لأتباع الديانةِ الإبراهيمية، وهو كتابٌ قريبٌ من كتبِ السلوكِ والعاداتِ والأخلاقِ، خالٍ من التشريعاتِ والأحكامِ.

 

والآن بدأت بعضُ المدارسِ الدولية “الأنترنشونال” برفعِ حِصةِ الدين ووضعتْ مكانَها مادةَ الأخلاق.

حلفُ المنشقينَ الجُدد:

وقَّعَ ثلةٌ مِمنْ يسمونَ بالمفكرينَ والباحثينَ وعلماءَ دينٍ يُمثلونَ الدياناتِ الإبراهيميةِ على ميثاقٍ أسموهُ “حِلفُ الفضولِ الجديدِ” الذي انعقدَ في العاصمةِ الإماراتيةِ أبوظبي في العامِ المنصرم، واعتبروا هذا الميثاقَ ثمرةً لنقاشاتٍ اقيمت منذُ أعوامٍ؛ بهدف إعلاءِ القيمِ كما يفهمها أصحاب دياناتِ العائلة الإبراهيمية في خدمةِ السلام والتضامن والتفاهم المشترك بين الناسِ، أياً كانَ دينُهم أو عِرقُهم أو جِنسيتُهم.

 

يقومُ المشروعُ على أكتافِ دعاةٍ أَطلقَ عليهمُ الغربُ والصهاينةُ “الدعاةُ الروحيون” ممن يؤمنونَ بفكرةِ الدينِ الجديد، وهذا يفسرُ استقطابَ الإماراتِ لمجموعةٍ تدخرهم لهذه المهمة، منهمُ: الشيخ الموريتاني عبد الله بن بيه، والواعظ اليمني علي الجفري، والداعيةُ الإماراتي من أصلٍ أردني وسيم يوسف، وغيرهم، وإنشاءَ مجلسِ حكماءِ المسلمينَ كمرجعيةٍ علمائيةٍ تقدمُ الدعمَ لذلك.

 

الهدفُ غيرُ المعلنِ من الحلفِ هو العمل على تنقيةِ النصوصِ المقدسةِ من كلِ ما يُخالفُ توجهاتِ الدين الجديد، ويُنْتقى منها كتابٌ واحدٌ يكونُ هو المرجعُ الوحيدُ لأتباع الديانةِ الإبراهيميةِ.

حقيقةُ الديانةِ الإبراهيميةِ:

أَمرنا الله سبحانهُ أن نتبعَ ملةَ إبراهيمَ فقال:

{قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}. [آل عمران:95].

فيا ترى ماهيَ ملةُ إبراهيم؟ هل هي الإسلامُ أم الديانةُ الإبراهيميةُ التي تنادي بها الصهيونيةُ العالمية؟

 

ليسَ هناكَ أصدقُ من الله قيلاً، فقد قالَ تباركَ وتعالى مجيباً عن حقيقةِ ملةِ إبراهيمَ فقال:

{مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}. [آل عمران: 67].

 

ومن تأملَ في الآياتِ يدركُ أن الحنفيةَ التي كان عليها سيدنا إبراهيمُ عليه السلام هي دينُ التوحيدِ والاستسلامُ لله عز وجل، ونبذُ الشركِ والكفرِ وكلُ ما يعبدُ من دون الله، وهذا هو دينُ الأنبياء جميعِهم، واعتقاد الرسلِ كلُهم، لم يختلفوا فيما بينَهم إلا في الشرائعٍ والأحكام، أما الاعتقادُ والإيمانُ بالله، فقد كانوا كُلهم على التوحيد، كل ذلك لا يُبقِي شكاً في أن الإسلام هو إسلامُ إبراهيمَ عليه السلام.

 

نفيُ الإسلامِ من حياة الناسِ بدعةٌ جديدةٌ قديمة، كانتْ صورتها في البدايةِ الحربُ على الإسلام ومنع انتشاره، وزادَ عليها اليوم البعد السياسي والعسكري فيما يعرف بالصراع العربي الإسرائيلي؛ للتمهيد إلى قيام الدولةِ اليهودية تحت مِظلة الديانة الإبراهيمية وهو مصطلح أكثرَ استساغةً من مصطلح “الدولة اليهودية”.

 

فما يحدثُ اليومَ ليس موقفاً سياسياً، أو شراكةً اقتصاديةً، إنما ما يحدث هو هدم للإسلامِ وإقامة دينٍ جديدٍ يكونُ بديلاً عن الإسلامِ.

 

معركةُ المصطلحات:

من أخطرِ التحدياتِ الفكريةِ التي يواجهها المفكرونَ والمثقفونَ، فضلاً عن غيرهم هي المصطلحاتُ التي تحملُ أكثرَ من وجه؛ ذلك أنَّ بريقَ المصطلحِ واعتيادهُ يخفي وراءهُ الوجهَ الشاحبَ الذي يحمله، ومع كثرةِ استعمالهِ تختلطُ الأوراق، وتمررُ المشاريعُ الهدامةِ، ويغدو المحاربُ لذلك الوجهِ القبيحِ غريباً بين الناس، وساعتئذٍ تكونُ قد نجحتِ الفكرة.

 

هذا هو حالُ مصطلحاتِ، «الديانةُ الإبراهيميةُ» أو “وحدةُ الأديان” أو “الديانةُ العالمية” ونحوهِا من الألقابِ التي ظهرَ استعمالها، ففي طياتِها معانيٍ حسنةٌ مقبولةٌ، كمثلِ التعايشِ، والسلامِ، ومعاملةِ أهل الكتابِ بالبر والقسطِ كما أمرَ اللهُ عز وجل، ولكن استعمالَ هؤلاءِ الملبسينَ لتلكَ المعانيَ الحسنةِ التي لا تتعارضُ مع الشريعةِ الإسلامية، إنما هو – في الغالبِ – جسرٌ للمعاني الباطلةِ الهدامةِ، وستارٌ لحقيقةِ “الخلطِ” بين الأديانِ، وليسَ مجردَ “الحوارِ”، بل الخلطُ الذي تُفقد معه العقيدةُ الإسلاميةُ جَوهرَها القائمَ على شهادةِ أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، لتصبحَ الفكرةُ الأهم هي الوصولُ إلى الله تعالى، سواءً عن طريق اليهوديةِ أو النصرانيةِ أو الإسلامِ، فلا فرق عندَ أصحابِ هذه الدعوةِ بينَ تلكَ الأديانِ، فإنما هي طرقٌ متعددةٌ ومتكافئةٌ تدلُ على اللهِ عز وجل، واللهُ عز وجل حسمَ الجدلَ حولَ الوصولِ إليهِ لعبادته بقوله: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}. [آل عمران:85].

موقفُ المسلمِ من الديانةِ الإبراهيمية:

خاضَ علماءُ الإسلامِ قديماً وحديثاً حروبَ الردةِ وجابهوها، وقد حذروا من لبسِ الحقِ بالباطل، فلا يغركَ هذا الخلط الذي سماهُ القرآنُ الكريمِ “اللبس”:

{وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:42]،

قالَ قتادة رحمه الله:

“لا تُلبسوا اليهوديةَ والنصرانيةَ بالإسلام، إن دينَ اللهِ الإسلام، واليهوديةَ والنصرانيةَ بدعة ليست من الله”.

تفسير ابن أبي حاتم: [1/98].

وهذا شيخُ الإسلامِ ابن تيميةَ رحمهُ اللهُ يقول:

“قولُ القائل: المعبودُ واحدٌ وإن كانت الطرقُ مختلفة،

ونحو ذلكَ من الأقوالِ والأفعالِ التي تتضمنُ إما كونَ الشريعةِ النصرانيةِ واليهوديةِ المبدلتينِ المنسوختينِ موصلةً إلى الله؛

وإما استحسانُ بعضِ ما فيها مما يخالفُ دين الله، أو التدينِ بذلك، أو غيرِ ذلك مما هو كفرٌ بالله وبرسوله، وبالقرآنِ وبالإسلامِ،

بلا خلاف بين الأمةِ الوسطِ في ذلك، وأصلُ ذلكَ المشابهةُ والمشاركةُ”.

اقتضاء الصراط المستقيم: [1/540].

ويقول الشيخُ بكر أبوزيد رحمه الله:

ليعلمْ كلّ مسلمٍ عن حقيقةِ هذهِ الدعوة: أنها فلسفيةُ النزعةِ، سياسيةُ النشأةِ، إلحاديةُ الغايةِ، تبرزُ في لباسٍ جديدِ،

لأخذِ ثأرهمْ من المسلمين: عقيدةً، وأرضاً، وملكاً، فهي تستهدفُ الإسلامَ والمسلمينَ في:

  1. إيجادِ مرحلةِ التشويشِ على الإسلامِ، والبلبلةِ في المسلمين، وشحنهمْ بسيلٍ من الشبهاتِ، والشهوات.
  2. قصرِ المدِّ الإسلاميِّ، واحتواؤه.
  3. كفِّ أقلامِ المسلمينَ وألسنتِهم عن تكفيرِ اليهودِ والنصارى وغيرِهِم ممن كفَّرَهم الله، وكفرَّهم رسولهُ صلى الله عليه وسلم.
  4. صياغةِ الفكرِ بروحِ العداءِ للدين في ثوبِ وحدةِ الأديان، وتفسيخِ
    العالمِ الإسلامي من ديانته، وعزلِ شريعتهِ في القرآنِ والسنةِ عن الحياةِ، حينئذ يَسهُل تسريحه في مجاهلِ الفكر، والأخلاقياتِ الهدامةِ، مفرغاً من كل مقوماتهِ، وحينئذٍ يصلونَ إلى خسة الغاية: القفز إلى السلطةِ العالميةِ بلا مقاومة.
  5. إسقاطِ جوهرِ الإسلامِ واستعلائهِ، وظهورهِ وتميزهِ، بجعلِ دينِ الإسلامِ المحكمِ المحفوظِ من التحريفِ والتبديلِ في مرتبةٍ متساويةٍ مع غيرهِ منَ العقائدِ الوثنيةِ الأخرى.

وتأتيْ غايةُ الغاياتِ وهي بسطُ جناحِ الكفرةِ من اليهودِ والنصارىْ والعلمانيينَ وغيرهم على العالم بأسره،

وعلى العالم الإسلاميِ بشكلٍ خاص، وعلى العالم العربي وعاصمتِه: “الجزيرةُ العربية” بوجهٍ أخص،

في أقوى مخططٍ تتكالبُ فيهِ أممُ الكفرِ وتتحركُ من خلاله؛ لغزوٍ شاملٍ ضدَ الإسلامِ والمسلمينَ بشتى أنواعِ النفوذ:

الفكريِّ، والثقافيِّ، والاقتصاديِّ، والسياسيِّ،

وذلكَ بإقامةِ سوقٍ مشتركٍ، لا تحكمهُ شريعةُ الإسلامِ، وتدجينِ الضمائرِ والعقولِ، وشنِّ حربٍ خبيثةٍ ضدَّ أيِّ فطرةٍ سليمةٍ، وشريعةٍ مستقيمةٍ.

لذلكَ يجبُ على المسلمينَ الكفرُ بهذهِ النظريةِ

“وحدةُ كلِّ دينٍ محرفٍ منسوخٍ مع دينِ الإسلامِ الحقِ المحكمِ المحفوظِ منَ التحريفِ والتبديلِ الناسخِ لما قبلهُ”

وهذا من بَدهياتِ الاعتقادِ والمسلماتِ في الإسلامِ.

ويجبُ على أهل الأرضِ اعتقادُ تعددِ الشرائعِ وتنوعِها، وأنَّ شريعةَ الإسلامِ هي خاتمةُ الشرائعِ، ناسخةٌ لكل شريعةٍ قبلها،

فلا يجوزُ لبشرٍ من أفرادِ الخلائقِ أن يتعبدَ الله بشريعةٍ غيرِ شريعةِ الإسلام.

ويجبُ على جميعِ أهلِ الأرضِ من الكتابيينَ وغيرهِم الدخولُ في الإسلامِ بالشهادتينِ، والإيمانُ بما جاءَ في الإسلامِ جملةً وتفصيلاً،

والعملُ بهِ، واتباعُهُ، وتركِ ما سواهُ من الشرائعِ المحرفةِ والكتبِ المنسوبةِ إليها.

ولا يجوزُ لأحدٍ من أهلِ الأرضِ اليومَ أن يبقى على أيٍّ من الشريعتينِ: «اليهوديةِ والنصرانيةِ» فضلاً عن الدخولِ في إحداهما،

ولا يجوزُ لمتبعِ أيِّ دينٍ غيرَ الإسلامِ وصفُهُ بأنهُ مسلمٌ، أو أنهُ على ملةِ إبراهيم.

لذلكَ ينبغيْ أن يُعلمَ أنَّ أيَّ تهوينٍ في الحديثِ عن الديانةِ الإبراهيميةِ وبيانِ خطرِها هو خيانةٌ لإبراهيمَ عليه السلامُ،

وخيانةُ للنبيِ محمدٍ (صلى الله عليه وسلم)، وكفرٌ بدينِ الله، وخروجٌ من ملةِ إبراهيم.

{وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}. [آل عمران: 85].

(والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه

الأمة: يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار). [رواه مسلم].

(لا يجتمعُ في جزيرةِ العربِ دينانِ). [رواه البخاري ومسلم].