محمد عبد العاطي

عاش الغرب ما يعرف بالعصور الوسطى المظلمة،

وهي فترة زمنية امتدت من نهاية عصر الإمبراطورية الرومانية في القرن الخامس الميلادي إلى بدايات عصر النهضة في القرن الخامس عشر.

 

أي عشرة قرون كاملة كان الوضع فيها على النحو الآتي:

 

– السلطة السياسية بيد ملوك وأمراء يحكمون شعوبهم حكما استبداديا مطلقا دون رقيب ولا حسيب،

لأنهم يحكمون باسم الله وفق ما قالوا ووفق ما نظَّر لهم مفكرو السلاطين وأيدهم في ذلك رجال الكنيسة.

 

– السلطة الدينية المطلقة بيد الكنيسة والبابا؛ هو الذي يحدد للناس نمط الإيمان الذي يؤمنون به ونوع العقيدة وشكل الطقوس،

وهو الذي يبيع لهم صكوك الغفران ليدخل ملكوت السماء من يدفع،

وتساعده في ذلك محاكم تفتيش تبحث في عقول وقلوب الناس عن أفكارهم ومعتقداتهم،

وتحاكم كل من يبدي رأيا يخالف الرأي الديني الصادر عن الكنيسة أو من ينتقد رأي البابا،

وتحكم عليه بالحرق حيا مع كتبه التي تعتبرها هرطقة.

 

– جماعات المصالح التي لا يهمها سوى أموالها وممتلكاتها،

وهي هنا ممثلة في الإقطاعيين،

وهؤلاء منحازون إلى ذلك الثنائي المستبد؛ السلطتين الدينية والسياسية، لتكتمل أضلاع المثلث الشيطاني:

الملك، البابا، الإقطاعي.

 

في بيئة كهذه كان طبيعيا أن تتأخر أوروبا عن ركب العالم علميا ودينيا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا وحضاريا،

فانتشرت فيها الحروب والصراعات الدينية والمذهبية والطائفية والعرقية والسياسية،

وانتشرت في شوارعها القاذورات والأوبئة والأمراض الفتاكة، وعم الجهل وانتشرت الخرافة وشاع السحر،

وساد الفقر والعوز والحرمان.

 

وأصبح كل من يأتي برأي مخالف يهدد هذا النظام السياسي الاجتماعي الديني السائد يبادر الجميع إلى كتم صوته..

وانتزاع اعتراف منه بأنه مُخرِّف ومخطئ ويأمرونه بالتوبة عما قال،

فإن أبى يؤتى به إلى المحرقة فيشوى حتى الموت.

وأسماء الفلاسفة والمفكرين والعلماء الذين لقوا هذا المصير المشئوم كثيرة.

… وانفجرت الأمور

وقد ظل الوضع على هذا الحال حتى وصلت الأمور إلى حد لا يطاق فانفجر الناس ووصلت شظايا انفجارهم إلى كل الاتجاهات.

وقاد غضبهم المصلحون الاجتماعيون والدينيون والسياسيون، ورويدا رويدا وُجِد تيار نهضوي إصلاحي،

كان منه ديكارت وبيكون في الفلسفة، وكوبرنيكوس وجاليليو في الفلك، ومارتن لوثر وكلفن في الدين ..

وبدأت عجلة النهضة تدور؛

اكتشافات علمية وفلكية انتزعت من الفكر الكنسي مقولة إن الأرض هي مركز الكون،

وإن الكنيسة هي مركز الأرض،

والإنسان هو أشرف من في الأرض،

وما وجد الإنسان إلا ليخدم الرب،

ولن يخدم الرب خدمة صحيحة إلا عبر الكنسية، وبالتالي فالكنيسة هي مركز الإنسان ومركز الأرض ومركز الكون،

وكل من يخالفها يخالف الناموس..

لقد انتزعت الاكتشافات العلمية والفلكية هذه الخرافات والأكاذيب والألاعيب والترهات..

وأصبح الإنسان إنسانا والإله إلها والكون كونا، ولكلٍّ طبيعته ودوره ووظيفته.

الثورة على  الفساد والاستبداد

ثم كانت الثورة على السلطات الفاسدة المستبدة التي تحكم شعوبها باسم الله وتدعي أنها ظله على الأرض..

وبالتوازي كان الإصلاح الديني الذي بدأه الراهب وأستاذ اللاهوت مارتن لوثر حينما رفض أكذوبة صكوك الغفران وبيع رفات القديسين لمن يرد أن يتبارك بها.

وعلَّق على باب كنيسة وتنمبرج في ألمانيا عريضة بالإصلاحات التي يرى أنها ضرورية وفيها 95 بندا.

وترجم الكتاب المقدس إلى اللغة الألمانية حتى يفهمه العامة بأنفسهم ولا يكونوا أسرى لرجال الدين في تفهيمهم له.

وساعد في شيوع ذلك اختراع المطبعة التي كانت بمثابة الانترنت في عصرنا الراهن.

 

ودارت عجلة الإصلاح في كل الميادين وفي كل الاتجاهات وبدأ العصر الذي تسميه أوروبا عصر النهضة والتنوير والأنوار والحداثة واستعمال العقل.

خلاصة التجربة التاريخية

وكانت خلاصة التجربة التاريخية الاجتماعية السياسية الدينية التي استخلصتها الشعوب الأوروبية بالدم أن لا تخلط السياسة بالدين بالمصالح الخاصة،

وأن تقيم دولة فيها تمايز مؤسسي،

تعرف بموجبه كل مؤسسة واجباتها وحدودها وصلاحياتها ووظيفتها وأدوارها، فلا تتعدى ولا تتغول على المؤسسة الأخرى..

المؤسسة الحاكمة التي تدير شؤون الدولة تعرف حدودها، والمؤسسة الدينية التي تدير الشأن الديني تعرف حدودها..

وأصبح من حق الجميع، أفرادا وأحزابا وجماعات وتيارات أن تنتقد وأن تعبر عن رأيها..

وأن تقول هذا صحيح وهذا خطأ دون أن يستطيع الحاكم أن يعترض على إبداء الرأي حتى وإن كان في بعض الأحيان جارحا،

لأنه (الحاكم) ما هو إلا موظف عام وليس إلها ولا نصف إله ولا يحكم باسم الإله ولا باسم الشريعة الدينية..

فقط هو بشر وموظف ومسئول.

أصبح الدين «مادة علمية»

وكذلك الحال بالنسبة لرجال الدين والمؤسسة الدينية بل والدين نفسه ورموزه..

فقد أصبح الدين «مادة علمية» يتم تدريسها في الجامعات،

ويطبق علي مناهج النقد والشك العلمي،

بدءا من نقد مصادر النصوص الدينية إلى نقد تفاسيرها وتحقيق أحداثها التاريخية..

حتى أصبح «علم نقد الكتاب المقدس» علما قائما بذاته يُدرَّس في الجامعات الغربية دون أن يُتهم أصحابه ومتخصصوه بالهرطقة.

 

في هذا الإطار وذلك السياق أصبحت حرية الرأي والتعبير قيمة عليا في تلك المجتمعات، وأصبح «المقدس» عندهم هو «العقل« وليس «الدين»..

وهذا ما يفسر تشددهم في موضوع حرية الرأي والتعبير حتى وإن مس كل الأديان ورموزها، بقطع النظر عن مشاعر وأحاسيس أصحاب هذه الأديان!

 

من نافلة القول التأكيد على أن ثمة فرق بين النقد وبين السخرية، لكن ما نعنيه نحن بمصطلح سخرية لا يأخذ نفس «الدلالة المفاهيمية» في العقلية الغربية..

فكل شيء عندهم قابل للتناول حتى ولو كان تناولا ساخرا.

«الحق» هو «حق»

وصحيح مرة أخرى أنه ليس من حق أحد أن يسخر من ديني ومعتقدي ومقدساتي لكن كما قلنا فإن هذا «الحق» هو «حق» من وجهة نظري..

لكن من وجهة نظرهم فإن «الحق» الأعلى منه هو «حقهم» في حرية التفكير والتعبير عن كل شيء في هذا العالم بما فيها أديان الآخرين.

 

وهكذا نلحظ من العرض السابق السياق التاريخي والاجتماعي الذي تطور فيه مفهوم حرية الرأي والتعبير في الثقافة الغربية حتى أصبح بهذه الدرجة من القوة «الاعتقادية»..

ولن يستطيع غضب المسلمين ولا غضب أتباع أي دين آخر تعرض للنقد أو السخرية أن يزحزحه عن مكانته في العقل والوجدان الغربي لأنه ميراث دفعوا فيه غاليا على مدى عشرة قرون حتى انتزعوه.

عقلاء وحكماء العالم

المطلوب الآن أن يفكر عقلاء وحكماء العالم بهدوء،

وبعيدا عن الساسة الذين يحاولون تأجيج مشاعر العامة في الطرفين لتحقيق مكاسب سياسية،

يفكروا لتحرير مناط الاختلاف وإيجاد مساحة مشتركة يمكن وقوف الجميع عليها؛

مساحة تجمع بين حرية الرأي والتعبير بما فيها نقد الأديان من جهة وبين الأسلوب الذي يتم به التعبير عن تلك الآراء الحرة من جهة ثانية..

بحيث يحتفظ صاحب الرأي بحقه في إبداء رأيه لكن في الوقت نفسه يراعي،

من ناحية الأسلوب وطريقة العرض، مشاعر الآخرين،

لسبب بسيط هو أنه لا يعيش في هذا العالم وحده، ولا يسكن جزيرة نائية منعزلة،

فالعالم ليس غربا فقط وإنما فيه أيضا شرق وشمال وجنوب، وقد أصبح الكل يتواصل مع الكل،

نقلا للمعلومات وتنقلا وسفرا وإقامة ومعيشة وتجارة..

وسائر أنواع وألوان وأشكال العلاقات المتبادلة..

مما يحتم على الجميع احترام الجميع،

سواء الذي يريد ممارسة حقه في التفكير والتعبير أو الذي يريد ممارسة حقه في ألا يَمس الساخرون المستهزئون دينه.

من محمد عبد العاطي

باحث في مقارنة الأديان