أنور الزهري
أنور الزهري

معركة المساجد.. وازدواجية كورونا.. يعتبرُ المسجد بمثابة القلب النابض لدى المجتمع المسلم فكلما اختل نبضُه اختل أداء المجتمع،

وكلما فقد المسجد دورا من أدواره فقد المجتمع خصلة من توازنه وتضررت مناعته سلبا،

ولهذا تجد الحرب لم تتوقف على المساجد منذ فجر الإسلام؛

فما وُضع مسجد الضِّرار إلا ضمن تلك المحاولات والخطط المبكرة للقضاء على دور المسجد في إصلاح المجتمع وترشيد المسلمين إلى طريق الحق.

المسجد أولى الأهداف

فأي حرب تخاض ضد المسلمين يكون المسجد أولى الأهداف التي تصوب نحوه فوّاهة النار،

فعند سقوط الأندلس والتي كانت تزخر بعدد كبير من المساجد حولتها الحملة الصليبية بعيد احتلالها إلى كنائس ومتاحف بمجرد السيطرة عليها،

هذا الحقد الذي يكنه أعداء المسلمين تجاه البيت الشريف لا ينطفئ،

ولا يزالون يمكرون لإخراج هذا البيت من قلوب المسلمين بطرق مباشرة أو غير مباشرة بأيادي الأعداء الظاهرين أو عبر أدواتهم في بلداننا.

لم يستطيعوا النيل من المسجد

فبعد حروبهم الشعواء التي استخدِمت فيها كل الوسائل القذرة لتحطيم الرمزية والقيمة الروحية التي يتمتع بها المسجد لدى المسلمين..

إلا أن تلك الرمزية لم تتحطم وتلك المكانة العظيمة لم تتضرر كليا،

ولم يستطيعوا النيل من المسجد إلا في تقييد بعض أدواره المحورية في الصراع ضد أي سلطة استبدادية قد تحكم بلاد المسلمين أو ضد الاحتلال الأجنبي..

فقد كان المسجد على مر تاريخ الإسلام يمثل صوت الحق الرافض لظلم السلطان وطغيانه فيما كان أيضا يقَوِّمُ اعوجاج الحاكم إذا جار وزاغ عن العدل.

الحرب مفتوحة ضد المساجد

هذه الحرب المفتوحة ضد المساجد التي لم تحسم ولم تضع أوزارها منذ سقوط الخلافة الإسلامية بلغت ذروتها في هذا العصر،

حيث وضعت الحكومات في البلاد العربية  يدها على المسجد عنوة واستولت على مفاتِحه،

بعدما كان يتمتع بنوع من الاستقلالية عبر تاريخ الإسلام؛

لنرى اليوم كيف يتم إغلاق المساجد ويمنع المصلون من دخولها ويوقفُ الحج أيضا تحت ذريعة «كورونا»..

بينما الأسواق والمطاعم وغيرها مزدحمة وتعُج بروادها ليتحقق قول الرسول صلى الله عليه وسلم:

«لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، وأولهن نقضا الحكم، وآخرهن الصلاة»

 

لم يتجرأ حكام بلاد المسلمين عبر عصور الإسلام على إغلاق جامع من الجوامع ومنع المصلين من دخولها،

فلا يمكن لحاكم مسلم يستمد شرعية حكمه من الإسلام كنظام سياسي أن يغلق مسجدا بأي ذريعة كانت،

وذلك للنصوص الشرعية الواردة فيمن يمنع الناس من مساجد الله ويسعى في خرابها

{وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ أَن یذۡكَرَ فِیهَا ٱسۡمُهُۥ وَسَعَىٰ فِی خَرَابِهَاۤۚ أو۟لَـٰۤىِٕكَ مَا كَانَ لَهُمۡ أَن یَدۡخُلُوهَاۤ إِلَّا خَاۤىِٕفِینَۚ لَهُمۡ فِی ٱلدُّنۡیَا خِزۡی وَلَهُمۡ فِی ٱلۡـَٔاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِیم} [البقرة ١١٤]

خَفَتَ صوتُ علماء الشرع

فبينما يعلو ضجيج إغلاق أبواب المساجد ويسمع صوت هدير محركات سيارات الشرطة عند أبوابها لإحكام إغلاقها،

خَفَتَ صوتُ علماء الشرع وخرس المفتون فجأة -حاشا بعض الصالحين- في تماهٍ مع ذلك القرار،

الذي لم يستند لأي دليل شرعي يجيز هذا الفعل المُحْدَث الخطير -بعد نقض عروة الحُكْم-

لتكشف هذه المحنة أيضا عن أن الساحة الإسلامية خالية من أي صوت علمائي مستقل يفتي بما يتوجب عليه تبيانُهُ للناس،

وبما تملي عليه الأمانة التي استأمنه الله عليها {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ لَتبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ...}

من أنور الزهري

ناشط سياسي، المملكة المغربية