القرآن الكريم


(استفهامان مختلفان (قل لمن الأرض..) و (قل من ربّ السماوات…) وكانت الإجابة عنهما بصيغة واحدة هي: (سيقولون لله) ما السبب؟ ولماذا في الاستفهام الثاني لم تكن سيقولون الله؟).

الجواب:

في النص القرآني المرفق ثلاثة جوابات مع لام التملك (لله) لثلاثة أسئلة. فهل تدلّ تلك الأسئلة على التملّك حتى تكون إجاباتها مبتدئة بلام التملّك؟

1- حين نسأل: (مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ)؟ و(مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ)؟ ويكون الجواب: الله، فهو مفهوم. ولكنّ وجود (ربّ) و(بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ) ينقل الجواب إلى مستوى أكثر عمقا وفصاحة. ولم يتكرر مثل هذا السؤال في التنزيل العزيز إلا مرة واحدة بسؤالٍ مِنْ فرعون وإجابةٍ مِنْ موسى (قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى. قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) فلم يذكر لفظ الجلالة بل اكتفى بوصف مِلْكيته لكل شيء.

2- ومن أساليب التعبير عن الاعتزاز بقبيلة أو صفة استعمال اللام، كما في: أنا للأوس أو لهذيل أو أنا للمعالي والكرم. مثلا. فكأنه مملوك لما نسب نفسه إليه.

3- ومن هذا ما ورد في التنزيل العزيز: (الذينَ إذا أصابتْهُم مصيبةٌ قالوا إنّا للّهِ وإنّا إليهِ راجعونَ) ففيها يُلغي القائلون ذواتهم إلغاء تامّا. فقولنا (إنّا لله) تعني أننا ملك الله، ولسنا أكثر من ذلك.

وإذا كنت من الملتزمين بالمصطلحات النحوية، فلك أن تعتبر اللام، هنا، لام الصيرورة أو لام العاقبة أو لام المِلْكِيّة. وأرى المِلْكِيّة صالحة لكل ذلك لأن الصيرورة والعاقبة هنا تعود إلى معنى المِلْكِيّة.

وهذه اللام لها وجهان: الأول كما في: الكتاب لي، أي: أنا أملكه. والثاني: أنا للوطن، فالوطن يملكك.

4- ولبيان الآيات المذكورة ذكر القدماء وجود قراءة أخرى فيها الجواب (الله) بدلا من (لله). كما فسروا لله في الموضع الثاني بقولهم إنه (لِمَنِ السَّمَاوَات؟ لِمَنِ مُلْك ذَلِكَ؟) ثم قالوا إن القرآن (جَعَلَ الْجَوَاب عَلَى الْمَعْنَى. فَقِيلَ: لِلَّهِ).

ولكن هذين القولين يتحدثان عن أشياء غير ما نحن فيه فالسؤال، هنا، عن (لله) لا عن قراءة (الله).
وأما القول الثاني، ففيه إشكال، لأنّ النصّ (مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ)؟ و(مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ)؟ وليس (لمن السماوات؟ لمن ملك ذلك). وعلى فرض صحة وضعهم (لمن السماوات) موضع (مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ) فما تقدير (مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ) هل يجوز السؤال: لِمَنْ بيدهِ ملكوتُ كلّ شيء؟

5- المخاطبون في هذه الآيات يقولون إنهم يؤمنون بالله إيمانا عميقا وبأن الكون كله ملكه، لكنهم لا يؤمنون بالنبوّات ولا بالآخرة. وهذه فكرة متواصلة منذ عصر اليونانيين إلى اليوم.

6- وليثبتوا ذلك تجاوزوا الجواب الظاهر إلى جواب أكثر عمقا، فبدلا من أن يقولوا (الله) قالوا (لله).

7- إن تجاوز الاسم إلى الإقرار بأن الله ملك كل شيء ومالكه مبنيّ على دلالة هذه الأسئلة على المِلْكِيّة، كما نوضح هنا:

* أمّا السؤال الأول (لِّمَنِ الارْضُ وَمَن فِيهَا) فمعنى المِلْكِيّة أدّاه حرف اللام، فالجواب: لله.

* وأمّا السؤال الثاني (مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ) فإنّ معنى الملكية أدّته كلمة الرب، فمن معاني هذه الكلمة مِلْكِيّة الشيء، كما في: (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا) أي مالكها. وسبق أن عقدنا حلقات عن كلمة (الرّبّ).

* وأما السؤال الثالث: (مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ) فإن اليد دالة على التّملّك، كما في قولهم: وكانت المدينة في يد المسلمين أي في مُلْكِهم ومِلْكِيّتهم. ثم تأتي (مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ) لتؤكد تلك المِلْكِيّة. وبناء على ما ذكرناه هنا وفي (5 و6) فلا بد أن يكون جوابهم دالاّ على الملكية أيضا. ولذا كان الجواب (لله).

 وكانت خاتمة كل ذلك (بَلْ أَتَيْنَاهُم بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ). كاذبون مهما بالغوا في ادعاء الإيمان العميق بالله.

——————-

د. هادي حسن حمّودي