ربيع عبد الرؤوف الزواوي

عجيب هذا القرآن..

ولكن.. لما العجب وهو كلام الله أحكم الحاكمين؟

 

تمضي بك سورة الطلاق من أولها في سياق غاية في السمو، تتكلم عن قضية خطيرة تتشابك فيها الخيوط، ويسقط فيها ذوو الأخلاق الفاضلة في أحيان كثيرة، وتندفع فيها النفوس نحو الظلم، ومجانبة الصواب، والانجراف نحو التعدي والطغيان، وتضييع الحقوق.

 

ولذلك كان من الطبيعي أن نحتاج مع هذه القضية للتخويف والتذكير بأن نتقي الله… فتمحورت الآيات السبع الأولى من السورة الكريمة حول التقوى؛ تبرز خطورتها، وتجلي حقيقتها، وتزين ثمرتها.. في أسلوب يأخذ بالنفوس والألباب.

 

ومع كون الآيات الكريمة تحدد أحكاما تتعلق بقضية الطلاق؛ كيف يكون ومتى يكون وأين تكون فيه المرأة وتحديد العدة وأنواعها.. غير أن السورة الكريمة تبرز التقوى كقضية محورية، لحكمة يعلمها الله… وكعلاج ناجع للنفوس في هذه القضية الخطيرة التي تفصم عرى علاقة عظيمة تقوم بميثاق غليظ.

 

ثم تنتقل بك الآية الثامنة من السورة الكريمة فجأة لأمر آخر تماما… وهو تكذيب الرسل والعتو عن أمر الله.. وما يقع للبلاد من خراب ودمار وعذاب بسبب ذلك.. في سياق أروع وأجمل..

 

الآية الثامنة من السورة الكريمة.. (وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُّكْرًا) وهي آخر آية في القرآن تتكلم عن هلاك القرى (أي البلاد) بسبب التكذيب والظلم..

 

فقد سبقتها آيات كثيرة من القرآن الكريم تتكلم عن ذلك..

 

سبحان الله.. تعالج السورة الكريمة نفس القضية (الهلاك بسبب التكذيب والظلم) بنفس طريقة علاجها لقضية الطلاق..

 

فتصف الآية العاشرة مباشرة الدواء؛ (فاتقوا الله يا أولي الألباب…) وتبين مباشرة أيضا من هم أولوا الألباب؟ إنهم باختصار (الذين آمنوا)..

 

وتضع الآية في جلاء تام مصدر التقوى وينبوعه.. (قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا يتلوا عليكم آيات الله مبينات..)..

 

ثم تختم الآية الثانية عشر من السورة (وهي آخر آية في السورة) في جلال وبهاء وروعة، وفي سياق يأخذ بتلابيب النفوس نحو ربها، يبرز جلال الله وقدرته وعظمة خلقه.. فهو (الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن..).

 

لهدف واضح وغرض بين؛ (لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما).

 

يا سبحان الله.. لحكمة ما أن تتعرض سورة تتكلم عن أحكام الطلاق ومسائله وعقده ومشاكله للتذكير بهلاك الله للبلاد بسبب الظلم والتعدي والعتو والتكذيب.

 

كأن السورة تشير إلى أن خطورة التعدي والتكذيب في أحكام الطلاق كخطورة التكذيب والتعدي من أهل القرى الذين استحقوا الهلاك..

 

وإنه- والله- من تتبع قضايا الطلاق ومشاكل الأسرة في المحاكم والصحافة والإعلام.. يدرك إلى أي حد وصلت مجتمعاتنا من التعدي والتكذيب والظلم وعضل الزوجات وأكل الأموال بالباطل وتضييع الحقوق..

 

فلطفك اللهم بنا.. من أن يحل بنا غضبك، أو ينزل بنا عقابك.