محمد الطحاوي

 
أنا أختُ مُوسَى مِنْ بَنِى عِمْرانِ
 
أنا آيةٌ فى الحُبِّ والإِيمانِ
 
فى الذِّكْرِ جاءتْ قِصَّتِى .. وجَمِيعُكُمْ
 
تَتْلُونَها آياً من القُرآنِ
 
يا لَلْكَرامةِ إن حَظِيتَ بفضلِهِ
 
ورُزِقْتَ فيه شَهادةَ الرحمنِ
 
اليومَ أُخْبِرُكُمْ بأقْسَى مِحنةٍ
 
حَلَّت بقومٍ مِنْ بَنِى الإنسانِ :
 
فى ذاتِ كابُوسٍ .. رَأَى فِرعونُ مِصرَ
 
بِنَوْمِهِ أمرًا خَطِيرَ الشَّانِ
 
أنْ سوفْ يَهْلَكُ بَيْدَ أنَّ هَلاكَهُ
 
يَأْتِى إليهِ على يَدَيْ عَـبْرانِى !!
 
فاسْتاءَ مِنْهُ نهارَهُ .. وعَلَى جَهُولٍ
 
قَصَّهُ .. فأتاهُ بالهَذَيانِ :
 
“أَرسِلْ قَوابِلَنا لكيْ تُحصِى
 
حَوامِلَهُمْ ونَذْبَحَ سائرَ الذُّكْرانِ”
 
لكنَّ أمِّى حِينَها حَمَلَتْ فَأَخْفَتْ
 
حَمْلَها عن أعينِ الجيرانِ
 
لَمْ يَدْرِ مخلُوقٌ بما فى بَطْنِها
 
إلَّا أبِى وأنا مَعَ الكِتْمانِ
 
حَتَّى أتَى وَقْتُ المَخاضِ فَباشَرَتْ
 
هي وَضْعَها بالليلِ وهْيَ تُعانِى
 
وُلِدَ الوليدُ مُطارَداً ومُهَدَّداً
 
مِنْ أجْلِ حُلْمٍ زادَ فى الطُّغيانِ
 
تَحتارُ أمى أين تُرضِعُهُ وأينَ
 
تُنِيمُهُ .. فالدار غيرُ أمانِ !!
 
حتى أتَى وَحيٌ وأَلْهَمَ قَلْبَها
 
أنْ خَبِّئِيهِ بباطنِ الشُّطآنِ !!
 
والمَهْدُ أَصبحَ قارِبا مُتَأَرْجِحاً
 
فى اليَمِّ بين الغَيْضِ والفَيَضانِ
 
والأمُّ فى هَلَعٍ تَرُوحُ وتَغْتَدِى
 
والعَينُ لم يَغْمَضْ لها جَفْنانِ
 
وأنا أَتُوقُ لِضَمَّةٍ أَو قُبلَةٍ
 
مِنْ حِبِّيَ المَحرُومِ من أحضانى
 
ولقد دَهَتْنا ذاتَ يومٍ مِحنةٌ
 
أُخرَى هِيَ الأقْسَى على الوِجدانِ
 
القارِبُ المَربُوطُ فُكَّ وِثاقهُ
 
والموجُ سارَ بهِ بغيرِ عِنانِ
 
أُمِّى تُقاوِمُ صَرخةً من قلبِها
 
وأنا يَكادُ لها يُجَنُّ جَنانى
 
لولا السكينةُ أُنْزِلَتْ بفؤادِنا
 
لدَرَى بنا قاصِى الْوَرَى والدانى
 
فاسْتجمَعَتْ أمى بَقايا لُبِّها
 
واسْتَحْضَرتْ عَزمِى وكُلَّ كِيانى
 
وبأمرها : (قُصِّيهِ) صِرْتُ كطائرٍ
 
عَيْناهُ فاقت حِدَّةَ العِقبانِ
 
فرأيْتُهُ من قَصْرِ فِرعونٍ دَنا
 
والخادِماتُ يَصِحْنَ كالدَّهْشانِ :
 
“طِفلٌ جميلٌ لا مَثِيلَ لِحُسْنِهِ
 
النيلُ يَحْمِلُهُ بِكُلِّ حَنانِ”
 
فَأخَذْنَهُ وعَدَوْنَ نَحوَ مَلِيكَةٍ
 
لم تُرْزَقِ الأبناءَ فى الريعانِ
 
ما إِنْ رَأَتْ وَجْهَ الرَّضيعِ ونُورَهُ
 
حتى تَرَبَّعَ فى الفُؤادِ الحانى
 
ورآهُ فِرعَوْنٌ فنادَى جُنْدَهُ :
 
هَيَّا اقْتُلوهُ كسائرِ الوِلْدانِ
 
لكنَّ (آسِيةَ) اسْتدَرَّتْ عَطْفَهُ
 
وتَوسَّلتْ بالدَّمْعِ والوَلَهانِ
 
حتى يُوافِقَ أن يَصِيرَ رَبِيبَها
 
وكٍلاهُما لِجَنابِهِ أبَوَانِ
 
فإذا بهِ يَرْضَى ويُمْضِى رَأيَها
 
عَجَباً لهذا العِشْقِ والإِذعانِ !!
 
لكنَّ مُوسَى لا يَكُفُّ عن البُكاءِ
 
مُلَبِّطا قَدَمَيْهِ كالجَوْعانِ
 
فدَعَتْ إليهِ المُرضِعاتِ بِخِدْرِها
 
فأتينَهُ سَعياً بغيرِ تَوانِ
 
يُلْقِمْنَ مُوسَى ثَدْيَهُنَّ بِرقَّةٍ
 
لكنْ تَحاشَى مَصَّةً بِلِسانِ !!
 
فَذَهَبْنَ يَطْرُقْنَ البيوت لِأَجْلِهِ
 
كُلُّ المَراضِعِ بُؤْنَ بالخُذْلانِ
 
وهُنا دَخَلْتُ مع القُدُومِ تَلَطُّفاً
 
وعَرَضْتُ رَأْيِى فى لَطِيفِ بَيانِ :
 
أَأَدُلُّكمْ فَوراً على بَيتٍ يَقُومُ
 
بأمْرِهِ بِعِنايةٍ وتَفانِ ؟!
 
فَسَيُرْضِعُونَ ويَكْفُلُونَ صَغِيرَكُمْ
 
وتَرَوْنَهُ يَلْهُو معَ الصِّبْيانِ
 
فاسْتَمْلَحُوا قَولِى وقالُوا هاتِهِمْ
 
فأَخَذْتُ أَعْدُو مثلَ ألفِ حِصانِ
 
ووجَدتُ أُمِّى ليس يَرْقَأُ دَمْعُها
 
ويًؤُودُها جَبَلٌ من الأحزانِ
 
فَقَصَصْتُ ما مَسَحَ الهُمُومَ جَمِيعَها
 
ومَضَتْ مَعِى فى خِفَّةِ النَّشْوانِ
 
كانُوا جَميعاً فى انتظارِى .. وَيْحَنا
 
إنَّا دَخَلْنا دُونَما اسْتِئْذانِ !!
 
وإذا المَلِيكةُ أَقْبَلَتْ بِرَبِيبِها
 
تُعطِيهِ أُمِّى .. فالْتَقَى الحِبَّانِ
 
وإذا بمُوسَى ليس يَترُكُ ثَديَها
 
ويظلُّ يَرضعُ سَبْعةً وثَمانِ
 
والكُلُّ فى عَجَبٍ يَجُولُ بِطَرفِهِ
 
بَيْنِى وبينَ الصغيرِ العانِى
 
عَرضُوا على أُمِّى البقاءَ بِقُرْبِهِ
 
لكنها اعتَذَرَتْ بِبَيْتٍ ثانِ
 
وأنا اقْتَرَحتُ على المَلِيكَةِ فِكرةً :
 
“إنَّ الرضاعةَ عُمْرُها عامانِ
 
فَلْتَتْرُكُوهُ يُقِيمُ دَوْماً عِنْدَها
 
حَتَّى الفِطامِ فذاكَ خيرُ مَكانِ
 
وتَجِيئُكُمْ لِتَرَوْهُ كُلَّ صَبِيحةٍ
 
وتُمَتِّعُوهُ بِغَامِرِ التَّحنانِ
 
فاسْتَصْوَبَتْ رَأْيِى .. وَعُدْنا بَعْدَها
 
بأخِى بلا خوفٍ من العُدْوانِ
 
والأُمُّ أُثْلِجَ صَدْرُها .. والآنَ قَرَّتْ
 
عَيْنُها .. ذِى مِنُّةُ المَنَّانِ