يسري الخطيب

كانت الثلوج تحتضن مدينة «همذان» الإيرانية في القرن الخامس الهجري، حين دخل الخادم على الشيخ الرئيس «ابن سينا» في تلك الليلة الزمهرير، ليقلقه بسؤالٍ أفزعه.

فتمالك العالم الجليل نفسه ولم يرد.

ولكن خادمه لم يتوقف، ولم يحترم صمت الشيخ «ابن سينا».

 

غُدد النفاق عند الخادم متورّمة

 

فكأنه كان يحلم بعضوية نادي الجزيرة، أو نادي السيارات، أو برلمان جمهورية الموز، أو رئاسة مجمع الخالدين مع منقلب الأدب العربي: صلاح فضل

وربما كان يحلم بقيادة فضائية عربية لثري خليجي، أو كان يطمع أن يصبح «بكري مان».. أو كان يطمع أيضا، في أن يحتل مكان، ابن موسى، أو ابن عيسى،

أو أراد أن يتنافس مع شُمْط «جمع شمطاء» الفتوى: آمنة نصير وسعاد صالح وهبة قطب!.. و«خناشير» المجلس القومي للمرأة

وربما كان يحلم بامتلاك وقيادة توكتوك في شوارع القاهرة، أو كان يتمنى أن يكون حامل منشار ابن سلمان…

– سيّدي الشيخ الرئيس «ابن سينا»..

أنت أعلم رجال عصرك، بل أعلم رجال الأرض على مر العصور بالدين والطب والفقه و..و..و…..

خفض الشيخ رأسه في تواضع، وسأله: ماذا تريد أن تقول؟

فتردد الخادم الشاب وهو يختار كلماته بدقةٍ متناهية:

أنت تفوق يا سيّدي كل من سبقوك من العلماء ..

إني أراك أفضل حتى من الــ .. الـ.. الــ.. الأنبياء

– اُسكت

بِـمَ يفضلك مُحمد؟

ولكن الخـــادم لم يسكت وأضاف: قُل لـي بِـمَ يفضلك مُحمد؟ …

فــي أي شيءٍ يتميز عليك محمد بن عبد الله؟

فضاق صدر «ابن سينا» ولم يرد عليه مباشرةً رغم تكرار السؤال،

ولم يصدر قرارًا بتمكينه من امتلاك جزيرة الوراق وأرض المعارض، أو 1000 فدان، سعر المتر 5 قروش، أو رئاسة بنك،

أو قاضيا،

يُعيّن أولاده وأحفاده وأولاد الخادمة والبواب والعشيقة، في أرفع وظيفة في البلد، ويأخذ مرتبه بالملايين شهريا…

أو رجل دين سعودي،

يحكي للمصلين ظهرا عن خيبر وبني قريظة وبني النضير، ويجالس نتنياهو مساءً، ويدافع عن «إسرائيل»،

أو مستشارا بالهيئة المصرية العامة للبترول، ليتقاضى ما يزيد عن مائة ألف ج شهريا،

وهو نائم في بيته، أو بالهيئة القومية للأنفاق (مترو القاهرة)، لـ «يلهف» 70000 ج شهريا، وهو لم يركب المترو في حياته قط..

أو «صحفي منافق أفّاق» رأسه مثل حذائه، رجال الدنيا عنده:

بوتين، وترامب، وبشار، وعبدالعاطي كفتة، وبخيت، وعادل إمام ومحمد رمضان،

وماكين وشالوم وأنجلينا وسجاح ومسيلمة الكذاب، وسعد الأعور، وميزو

سبوبة فضائيات إبليس

وجمْع الأموال من (سبّوبة) المبرراتي، والمحلل الإستراتيجي، والمحلل السياسي، والمحلل المحلل، في فضائيات إبليس.

 

لم يجعل «ابن سينا» خادمه (اللهو الخفي) لحرق البلاد والعباد،

أو شيخا سلفيًّا من فصيلة:

برهاموف وحسّانوف وزغبوف، ويعقوبوف ومظهروف، وعمّورة ومعتز وجندي، وفريد واصلوف و..و..و… ، وكل الذين يتحركون بواسطة الريموت كنترول…

 

ولم يجعله «ابن سلول» جديد، ويضعه إماما للمسجد الحرام، أو المسجد النبوي، ليسحب البساط من شيوخ بني النضير:

السديس والمسعري والفوزان وغائط القرني وآل الشيخ والمغامسي…. إلخ

 

ولـم يحاول «ابن سينا» أن يتكلم عن النبي الأمي الذي يفضل الإنسانية جمعاء ..

 

وقام الشيخ الجليل لصلاة العشاء وقراءة القرآن،

 

وأوى إلى فراشه مبكرًا في تلك الليلة الباردة،

 

قبل الفجر

 

وقبل الفجر بساعة أيقظ «ابن سينا» خادمه ليدفّئ له الماء للوضوء، فتعلل الخادم بالبرد، وأمهل الشيخ بعض الوقت،

 

وبعد فترة كرر «ابن سينا» المحاولة ،

 

ولكن الخادم لم يتحرّك من فراشه الدافئ،

 

وقبيل أذان الفجر أيقظه للمرة الثالثة، فأمهله الخادم بعض الوقت …

 

وانطلق صوتُ المُؤذّن: «أشهد أن لا إله إلا الله ..أشهد أن محمدًا رسول الله»..

 

وإذا بالشيخ «ابن سينا» يقوم ليمسك خادمه النائم في الفراش من كتفيه قائلًا:

– هل تسمع هذا المؤذن؟

نعم يا سيّدي،

– هل رأى محمدا؟

لا.. لا لم يره

– كم قرنًا، كم عامًا تفصل بينه وبين محمد؟

عشرات، مئات الأعوام يا سيّدي

– كم ميلًا تبعده عن موطن محمد؟

 

آلاف الأميال ..

يهتف بـ اسم مُحمّد

– ومع ذلك فإنه خرج في هذه الليلة الباردة ليهتف بـ اسم «مُحمّد» من فوق أعلى مكانٍ في المدينة.

 

وأنت الذي تعرفني، وتقول عني أنني أفضل من كل الناس تأبى أن تقوم من فراشك بعد أن أيقظتك 3 مرات لتدفئ لي قليلًا من الماء …..

 

أرأيت كيف يفضلُ محمدٌ كل البشر؟!

من يسري الخطيب

- شاعر وباحث ومترجم - رئيس القسم الثقافي