ومقومات الوعي التي ترد إلى المعادلة الوجودية يمكن أن تطابقها بوعي يقظ أو تطابقها بشبه غيبوبة عندما يتولى العلاقة بين الذات الواعية ومقوماتها غيرها في حالتي الوساطة والوصاية فيصبح غالبية المولى عليهم يقادون من خارج ذواتهم وكأنهم آلات تحرك بفعل غيرها:غياب الوزع الذاتي

مفهوم الوزع

قد يظن مفهوما سلبيا متعلقا بالنهي لكنه في الحقيقة هو جوهر الأمر والنهي وبترجمة جامعة بين الخلقي والسياسي هما بعدا الوزع الذاتي الذي يقابله ابن خلدون بالوزع الأجنبي سواء كان خلقيا أو سياسيا ممثلا بقوة الحكام سواء كانت شرعية أو غير شرعية وهو معنى التسيير الخارجي.

فالامر بالمعروف والنهي عن المنكر قبل أن يكون أمرا ونهيا متعديا للغير هما ائتمار وانتهاء لازمان يتعلقان بذات الآمر والناهي فيكون الوزع أمرا وائتمارا ونهيا وانتهاء وهو من ثم جمع بين الوزعين أو محاولة لجعل النوعين متطابقين حتى يكون الإنسان حرا بحق أو سيد (آمرا) نفسه (مأمورا).

وذلك هو معنى ذاتية التشريع أو التشريع الذاتي (أوتونومي) وطبعا فالتشريع الذاتي في الإنسان هو معنى الفطرة الحرة التي جمعت بين فعل التشريع الذاتي والوعي بالمباديء المتعالية التي تضفي عليه الشرعية القيمة التي تستمد من العلاقة المباشرة بين الذاتين الآلهة و المألوهة.

وهي لا تكتشف هذه العلاقة في النصوص

التي تشير إليها وتعين محلها اكتشافها في آيات الله التي يرينها في الآفاق وفي الأنفس: ومعنى ذلك أن القوانين والقيم التي يتعبها الوعي بالحرية التشريعية لدى الإنسان ليست أمرا تحكميا بل هي ثمرة تجهيز الإنسان بإدراك قوانين الطبيعة وسنن التاريخ.

وقدرته على إدراك القوانين والسنن ما كانت لتكون ممكنة لو لم يكن مجهزا بما يشبه “الميزان” المحايد الذي يتعالى على الاعيان بحريته ليتمكن من التمييز بين الحر والمضطر وبين الحق والباطل والخير والشر والحمال والقبح في الوجود ما يجعله مجهزا بالمعايير التي ينبع منها الوازع الذاتي.

وهذه المعايير

التي يجدها الإنسان في نفسه بمجرد أن يقيس ما يفعله بغيره بما يرضاه فعلا من غيره به فيكون اصل كل المعايير هو التماثل بين الفعل والانفعال في التعامل مع البشر شرطا للوجود الجمعي السلمي الذي يتجاوز ضرورته العضوية إلى الحرية الخلقية للتحرر من قانون التاريخ الطبيعي

وإذا كانت هذه الرسالة الخاتمة تذكيرا أخيرا وكان ما قبلها يحكمه لكل أمة رسول بلسانها وقانون “ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا” (الإسراء 15)

فإنه ينتج ضرورة أمران أحدهما أو كلاهما معا:

 1- أن تكون الامة التي تلقت هذه الرسالة شاهدة على العالمين أي مكلفة بأن تبلغ الرسالة للجميع.

2- أن تكون البشرية قد بلغت ما يشبه العولمة الحالية فصار وثورة إعلامية تجعل الرسالة تبلغ الجميع دون حاجة لما اقتضته المرحلة الأولى من الرسالة أي الفتح. فيكون الفتح ضرورة مؤقتة يصبح التبليغ بوسائل التواصل بديلا كافيا لتحقيق الشهادة على العالمين في المرحلة الثانية.

وإذن فالشهادة -جئنا لنحرركم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد-لم تعد بحاجة لغير التبليغ التواصلي وهو ما يعيدنا إلى مسألة الترميز عامة والكوني فيه خاصة هو الشرط الضروري والكافي لتحقيق الشهادة بالتوصل بعد تحقيقه بالفتح الذي لم يعد ضروريا حتى لو تصورنا الامة صارت قادرة عليه.

قضية الترميز والتواصل

فتكون قضية الترميز والتواصل أهم قضية في الشهاد على العالمين. ولهذه العلة اعتبرت إعادة التأسيس منطلقها هو قضية الترميز وعلة اعتبار أهلية آدم للاستخلاف هي القدرة على التسمية وتعليمه البيان (الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان):التسمية والقرآن والبيان والقرآن وسط بنيهما

ومن قضايا الترميز قضية الوحي. فالوحي في القرآن ظاهرة كونية كما أسلفنا وهي خطاب إلهي للحيوان والإنسان وحتى للجماد ومن ثم فهو الترميز الأول والأصلي لأنه بنحو ما يمكن اعتباره استثارة في كيان الموجودات تتلقى بها وبفضل ما جهزت به لتلقيها ما يجعلها تهتدي بشبه غريزة في كيانها.

فيكون المعنى الأول والأصلي للوحي هو؛

التواصل الكياني بين مصدر الوجود والموجودات بالايحاء إلى ما في وجودها من تلق لفعل الموجد وحيا بهذا المعنى. وما فيها من تجهيز للتلقي والترميز يمكن أن يكون فعلا مباشرا أو تعبيرا يترجم المتلقى بلسان النوع المخاطب: لسان النحل أو لسان الإنسان.

فإذا تجاوزنا هذا النوع الأصلي الذي يشترك في كل الموجودات وخاصة الحي منها أمكن لنا أن نتكلم على الوحي للإنسان سواء كان نبيا أو لم يكن (مثل الوحي لأم موسى أو لمريم إلخ..) كما يصفه القرآن أو السنة. فعندما عبارة التلقي (آدم وتلقي الكلمات) ثم الوحي المبهم ويشمل العديد من الأنبياء.

ثم الوحي لموسى -كلمه تكليما-

ثم ما يقصه الرسول الخاتم من كيفية تلقيه الوحي: بشكلين إما بتوسط جبريل أو بالصليل أو الصوت غير اللساني.

وهذه الأشكال كلها طرق تواصل طبيعتها في المصدر مجهولة والمعلوم هو طبيعتها في المصب: أي كيف وصلت إلى الرسول. والاول غيبي والثاني شاهد للرسول

ورغم ما يبدو فإن الصورة الأوضح في الوحي هي التي تكلم عليها الرسول الخاتم. ذلك أن “كلمات”

التي تلقاها آدم لا تعني بالضرورة كلاما لسانيا لأن كلمة دلالتها الاولى هي فعل الخلق الإلهي (كلمات الله هي مخلوقاته)

ولا أحد يعلم لغة آدم ماهي.والوحي المبهم ونحن نفترض أنه كان بلسان الانبياء

ووحي غير الانبياء من البشر

لا بد أن يكون إلهاما وليس بلسانهم. وتكليم موسى لا ندري هو هو بلسانه لأن الألواح مكتوبة وليس منطوقة ولا شيء في الكتب المتقدمة على القرآن بالأمر الثابت وغالبها منحول. فلم يبق بينا بالنسبة إلينا إلا القرآن: وله مصدرات إما وساطة جبريل أو الصليل.

أما بأي لغة تكلم جبريل ومن ترجم صليل الجرس إلى لسان عربي مبين فهذا من الغيب.

وما قد بعجب له القاري هو أن البيان والتسمية والترميز بما هي قدرات إنسانية كلها من الغيب

وليس لها تفسير: يمرالإنسان مما يتلقاه بمداركه الحسية والعقلية إلى عبارته عنها بلسانه وبكل طرق التبليغ عنده سر مطلق.

والسر فيه

ليس كونه عربيا أو فرنسا أو انجليزيا أو تركيا بل كونه قدرة على التسمية والبيان والتواصل

ولا يهم بأي لسان يكون ذلك لأن اختلاف الالسن لا يتعلق بوظائفها التواصلية والتبليعية والترجمية لما نتلقاه من المدارك

بل هي في نسبة اختلاف الألوان والأبدان في الأحياء: السر هو الحي.

والواحد في الألسن وفي كل بيان وتسمية -ولنطلق عليه كملة العبارة بما يتضمن ذلك من إحالة إلى تعبير الأحلام-

هو من جنس الحي في الأحياء: وهو ما لا يمكن تفسيره لذلك سميته سرا. وهو سر في المصب عبارة وفي المصدر وحي.

ذلك أن مصدرما نتلقاه مجهول وقدرتها على تلقيه ليست مكتسبة بل فطرية.

المتكسب

هو تعين هذه القدرة في مواد تحملها وتعتبر رموزها في جماعة معينة

فتكون نسبة إلجماعة إلى هذه القدرة كنسبة الطقس إلى حلد الإنسان في تلوينه

حتى يكون قادرا على تحمل الأنواء والجلد هنا يترجم ما يتلقاه من الأنواء

ويعبر عن رد فعله بتلونه الذي يحميه من الشمس مثلا بما يفرزه.

اللغات إفراز لقدرة التسمية والبيان وقد وضع القرآن بينهما بوصفه التذكير الاخير

ليكون بيان الشهادة على العالمين بوصفهم جهزوا بالقدرة على التسمية

وبالقدرة على البيان شرطي التواصل بين البشر والعالم والتواصلان هما ما يجعل التبادل ممكنا والتواصل والتبادل هما شرطا الاستعمار والاستخلاف.

وهذا وحده كاف للدلالة على أن القرآن هو خطاب الشهادة على العالمين

وأنه بالضرورة خطاب كوني يتعلق بالتذكير بالمعادلة الوجودية

التي هي عين مقومات كيان الإنسان من حيث مستعمر في الأرض ومستخلف

ومن ثم فالبشر أسرة واحدة (من نفس واحدة النساء 1) وهم متساوون متفاضلين بالتقوى (الحجرات 13).

من د. أبو يعرب المرزوقي

فيلسوف عربي تونسي